المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نعيش عمداً


عاشق وطن
02-19-2008, 12:57 AM
"نعيش عمداً" لماريو بينيديتي


الثمانيني الأوروغواياني يرفض بالشعر موت الحياة



لطالما كان الحب الذريعة التي دمغت اكتفاء الأشخاص العاديين أو مآسيهم. لا يرتدي هؤلاء زي الأبطال أو يتخذون هيئة المتنورين أو يرسمون مسار الجموع، وإنما يكتفون بمغادرة مقار عملهم واجتياز الطريق وركوب سياراتهم متجهين الى منازلهم حيث تُشرّع الأبواب على الحب أو على غيابه. يكتشف الشاعر والقاص الاوروغواياني ماريو بينيديتي مبكرا ان الإنسان العادي نادر، تماما كما الآخرين، ويدأب على تأكيد ذلك من أعلى تجربته الممتدة سبعة وثمانين عاما.
يخاطب بينيديتي حياة روتينية لا تفقد بريقها في أحلك أيام الكدّ، ويتقرّب نثرا وشعرا من بهلوانيّات الوحدة والحماسة والرفقة الخاطئة وانزلاقات المشاعر. في نثره يرصد نماذج رمادية تتمسك بأقنعتها الى اللحظة الاشد حميمية من خلال قصص بسيطة ومسكوبة في ارتباك سردي وتوارٍ خلفها ارتعاشاً للميزان الأخلاقي وتأملاً أبكم في الخير والشر وفي اهتمامات تجعل الكرامة إرث المواطنين المتروكين لمصائرهم. في قصائده المجموعة في مجلدي "الجردة رقم واحد" و"الجردة رقم اثنين"، يحاور نبض العامة ويسعى الى إدراك الصلة الخفية التي تجمع الوهم الفردي بأغنية جماعية تختطف ثنائيا أو حشودا مشدوهة. يتحرك شعر بينيديتي فكاهة وموسيقى وأفكارا تطل على نوبات جنون العامة وتسطو على بسطاء المواطنين، فيصير الروتين الشخصي شعارا سياسيا. قصائد ماريو بينيديتي أفعال نبل محتسبة القوافي، يكتبها ليتلافى ان يشعر أحدهم بغربته.
ينبثق إنصات ماريو بينيديتي لاستضعاف المستضعفين من تحدره من وطن منمنم في قياس الجغرافيا الكونية. ذلك ان بلاده الاوروغواي أمّة صغيرة تحاول، رغم الإطباق عليها بين "عملاقين"، ان ترفع الرأس وتمضي قدما. معضلة مسقطه الاوروغواي شبيهة بمعضلة الأوطان الهامشية، وهو يوثّق حقيقته "السيامية" وازدواجيته في إحدى مقالاته يوم تحدث عن بلاد فعلية وبلاد أخرى. تحاول البلاد الفعلية أن تكون وتتنفس وان تتغاضى عن الصدأ المتجذر فيها في حين ثمة بلاد أخرى، إلهها شريعة السوق ونبيّها الثراء المريح. يحصّل بينيديتي آراءه من تجربته السياسية المريرة عندما اختار مقارعة ظلاميي السلطة في الاوروغواي وخصوصا في مقالاته المرجعية. تجربته الصحافية التي تبلورت في مجلتي "هوامش" و"العدد" التي أطلقت "جيل 1945" أو "الجيل النقدي" الذي ضم الى بينيديتي كارلوس مارتينيز مورينو وماريو اريغي وانخيل راما وسواهم، تكرّست من خلال تسلمه ثلاث مرات الإدارة الأدبية لأسبوعية "المسيرة". ولأن المجلة شنّت نقداً مدوياً بسبب جنوح السياسة والثقافة، تردد صداه في بلدان أميركا اللاتينية، فقد لوحقت قضائيا وأقفلت نهائيا بعد عام على الانقلاب العسكري الذي أرسى نظاما ديكتاتوريا بداية السبعينات من القرن المنصرم في الاوروغواي. بنتيجة اعتراض ماريو بينيديتي على السلطوية ومشاركته في 1971 في تأسيس "حركة استقلاليي 26 آذار" السياسية، انزلت فيه عقوبة الاعدام فاضطر الى الفرار الى الارجنتين ثم البيرو والمكسيك وكوبا وصولا الى أبواب اسبانيا. استمرت تجربة المنفى المؤلمة اثني عشر عاما وكانت مايوركا في اسبانيا ملاذه الاخير. صرف فيها سنوات سعيدة، وفي مدريد تآلف مع مسكن جديد وأصدقاء جدد ولم تبهت آماله بأن يرجع يوما. غير ان الغياب الجسدي المكره والمسافة الجغرافية، لم يكمّا صوت الكاتب الشاجب الذي بقي يبطش بالعار والخزي. مكّنه هذا الكبر من ان يموضع نفسه مثالا حقيقيا لأكثر من جيل لاتيني، وأن ينوب من خلال الحساسية المرهفة عن كل شاهد متأنٍّ ومصغ الى مستقبل التاريخ. استنبط مواطنوه من قصائد حنينه أناشيد تحرر، غير ان الجرح العميق الذي تركه فيه الابتعاد عن الجذور لن يتماثل الى الالتئام سوى مع العودة الى مسقطه في ثمانينات القرن العشرين. لكن بعدما صار شخصاً آخر. سيكون عليه ان يرضخ لتدرّب مفزع على تعلم العيش مجددا في بلاد كانت في ما مضى بيئته العفوية. لن يجد في القشتالية ما يعبر الى واقعه المستجد، لذلك ابتكر مصطلح "اللامنفى" الذي سيتجذر تيمة مستقلة في كتابات العودة ولا سيما في "اللامنفى وافتراضات أخرى" (1985) الذي أهداه الى ذكرى مؤسس مجلة "المسيرة" ومديرها كارلوس كيخانو. كان المؤلف امتدادا لبحث "بلاد الذيل القش" (1959) حيث شجب مجتمع الاوروغواي المأزوم ولرواية "الانقطاع" (1960) التي أكسبت بينيديتي المتحدر من قرية باسو دي لو توروس الاعتراف الدولي. نقلت الى تسع عشرة لغة وصدرت في ما يزيد على مئة طبعة واقتبست مسرحيا وإذاعيا وتلفزيونيا وسينمائيا. كان مذهلا ان يشهد بينيديتي تكريسه الأدبي بعدما ترحّل بنتيجة الحاجة المادية بين البيرو والارجنتين حيث عقد العزم على ان يصير كاتبا. في ما يشبه الطقس التأسيسي، التهم وهو مراهق المجلّد بعد المجلد ليجد نفسه عفويا شاعرا يصدر باكورته التي نسيها على ما يقول اليوم أو حاول نسيانها تمثلاً بالجميع. بعد أربع سنوات على إصدار بينيديتي "نكون على الرغم من كل شيء"، يحمل لنا مطلع 2008 إصداره الاحدث عن دار "الفاغوارا" الاسبانية. في 2004 جمع ثلاثا وثمانين قصيدة، واحدة عن كل عام من حياته، أما اليوم فيجرب في "نعيش عمدا" التأمل المسنّن في الخشية من العنف والضياع المتسرع للهوية. لم يشخ الصوت العجوز ولم يتقبل بعد موت الحياة عن البسيطة في حين يتقبل موته الآتي في طيب خاطر. في هذا البحث يتراءى الأدب قابلةً تنهمك في إنجاب العوالم الحميمة، ترسم مساحات المرء الوعرة وومضات اغتباطه وحزنه وانتصاراته وهزائمه وأساطيره الفردية والجماعية. بدءا من العنوان، يعرب بينيديتي عن رغبته بتحدي استمراره الزمني ومقارعة أيّ تخثر للقدرات الذهنية. يظهر قابلية مذهلة لتطعيم أسلوبه ولتناول تحديات المعيش، ناهيك بالتزامه الاخلاقي والاجتماعي في ضوء انحراف الاهتمامات الشعبية عما درجت عليه قبل عقود. ينقسم الكتاب ثلاثة أجزاء، يحمل الأول والثاني "نعيش عمدا" ويشملان نصوصا لا يتعدى الواحد منها الصفحة ونصف الصفحة، في حين يبرز في الجزء الثالث، "سلع تجارية"، استخدام بينيديتي "أدوات" الشاعر التشيلياني المرجعي نيكانور بارا أو "الشاعر الضدي" كما يروق له أن يسمّيه. ثمة استنجاد بالحكمة التي لا تفيض عن سطرين أو ثلاثة على هوى قصائد الهايكو اليابانية. وكما في هذا النوع "المقتصد"، يعبر بينيديتي الى الفكاهة والسخرية في موضوعات متشعبة. بلهجة نقدية وتهكم، يهزأ على نحو مرير من مجموعة أساطير ومن العادات المتأصلة في الانسان. ويعقد حوارا مع الواقع المنذور للحرب والامبريالية والعولمة والتطرف والكره والاجحاف الاجتماعي من بين مساوئ أخرى لا تقل عنها إثارة للريبة وبعثا للكآبة في عصرنا الراهن. في مسار هذا الاجتياز الادبي، يكرر بينيديتي مجددا جنوحه في اتجاه مناطق متفاوتة من حاضرنا من دون أن يعني ذلك تحييد الماضي تماما. يتقبل بينيديتي الذاكرة أداة لا مفر منها لتحليل الانسان وظروفه، بل تكاد تكون بوصلة هذه النصوص.
البحث موشوم بالتحديات التي تفرضها اللحظة التاريخية المشحونة تناقضات ومفارقات، وهذا ما يتطلب من الكاتب إجابات واعية ومتبصرة ومؤلمة أحيانا. رغم التشتت الظاهري لـ"نعيش عمدا" في ثلاث مقطورات مستقلة، يتضح اتساق هذه التأملات في خطاب بلاغي وعميق. تبزغ علامات نقد العبث المؤسساتي بدءا من الجزءين الاول والثاني عندما يكتب بينيديتي عن "آلاف الاطفال الذي يعانون المجاعة الحضارية". يتأمل في الوقت وفي استمرار الانسان الزائل، وينصت الى التدهور الشخصي وتدهور العالم والى تجليات الحب، فضلاً عن الموت الذي يعي انه يربض منتظرا، لكنه يؤنسنه ويتحداه. وقد يكون نص "في شأن المنتحرين" أحد أشد نصوص البحث وجدانية، ذلك انه يحيي القلق الذي يحوط الرغبة الارادية أو اللاارادية في التدمير الذاتي. يحاول بينيديتي الموازنة يبن الواقع والشعر بغية الاضاءة على هشاشة الاساطير والانتصارات الكبرى والهزائم العظيمة. يجعل قلمه يتسلل من فتحة الخشية المشؤومة والتضارب بين المشككين والمتفائلين. يوصل ماضيه الى عالم أشد سأما، تقطنه أطياف الصمت والوحدة ونماذج انسانية "تحمل هوياتها في بصماتها". في نص "أصداء وأصداء" يباغت الزمن خطاب بينيديتي الشعري فيكتب: "مكثت أصداء الأمس وما قبل الأمس وحيدة محرومة من الاصوات الكمداء والأصوات المفتوحة". يحاول في مكان آخر مناداة غياب الذين غابوا "عندما نحلم يعودون جميعا، أولئك الذين لا يزالون وأولئك الذين زالوا".
قد يكون أفضل تعريف لـ"نعيش عمدا" التشديد على أنه يختمر مشاغل ماريو بينيديتي المرجعية. على مشارف قرن من العمر، يقول وعيه المتقد بأن الذاكرة تخثر الماضي، وان استلهام المنافي الشخصية والعامة، القريبة والنائية، تفضي الى الكلل من أي عنف. يتصور أنماط انسان متلاش يشيح وجهه عن حقيقة لا يريد قراءتها أو سماعها ويكتبها بينيديتي. هي حقيقة "الليلة التي تحل بعد أن نفقد الأمل في مجيئها، تسدل خلالها الجفون ولا تعود الى الارتفاع مجددا".






منقولــ بقلم / رلى راشد

AL Pacino
03-12-2008, 07:22 PM
الحب هو اساس الحياة

وان انقطع الحب ربما تنتهي للحياه للمحب

تسلم ياغالي