راند
03-29-2008, 04:20 PM
قمة العرب ..
سوريا تكسب و"المعتدلون " يخسرون
الأسد رفض تقديم أية تنازلات
رغم أن القمة العربية العشرين في دمشق لن تسفر كسابقاتها عن قرارات قوية تلبي آمال وطموحات الشعوب المغلوبة على أمرها ، إلا أن هناك تحليلات ترجح أن نتائجها سترفع من أسهم سوريا وليس زيادة عزلتها كما كان يرغب بوش وأولمرت ، بالإضافة إلى أنها ستأتي بمردود سلبي على دول عربية كبيرة طالما عرف عنها قيادتها جهود الدفاع عن الحقوق العربية وجاءت مواقفها عشية القمة بمثابة صدمة لكثيرين.
محيط - جهان مصطفى
فمصر السعودية كانت قد اشترطتا حسم مسألة الاستحاق الرئاسي اللبناني للمشاركة بالقمة ثم أعلنتا بعد ذلك خفض مستوي تمثيلهما فيها ، هذا الموقف اعتبره البعض بمثابة احتجاج على موقف الحكومة السورية من الأزمة السياسية فى لبنان ومحاولة للضغط على دمشق للإسراع بإنهائها ، فيما اعتبره البعض الآخر بمثابة ابتزاز سياسي لسوريا ورضوخ لرغبات واشنطن وبالطبع لكل من التفسيرين ما يبرره.
التفسير الأول ينطلق من أن مواقف مصر والسعودية من القمة لم تكن لتظهر لولا رفض دمشق ممارسة أية ضغوط على حلفائها داخل لبنان للقبول بالمبادرة العربية وانتخاب قائد الجيش العماد ميشيل سليمان رئيسا جديدا للبنان .
صحيح أن سوريا خرجت من لبنان منذ ثلاث سنوات إلا أنها لا تزال تؤثر، ولديها حلفاءها وهذا مايطالب به الطرف العربي الذي مارس نوعا من الضغط على حلفائه في حكومة السنيورة وتيار الموالاة للقبول بالرئيس التوافقي الذين كانوا يرفضونه في البداية ، ورغم ترحيب المعارضة بالرئيس التوافقي أيضا إلا أنها مازالت تتمسك بالثلث الضامن والاتفاق على تشكيل الحكومة قبل انتخاب الرئيس ، يعني الشيطان في التفاصيل ، ولذا كانت رسالة مصر والسعودية واضحة لدفع سوريا وحلفائها في المسرح اللبناني لحسم الأمر.
وفي هذا الصدد ، يتساءل الكاتب طارق الحميد في مقال نشرته صحيفة الشرق الاوسط اللندنية " قمة دمشق .. لماذا الحضور ؟" ، قائلا :" لا أرى مبررا للاستغراب بشأن قرار المملكة العربية السعودية إيفاد مندوبها لدى الجامعة العربية لحضور القمة العربية في دمشق، بل السؤال الذي يجب أن يطرح.. ولماذا الحضور؟ إنجاح القمم والسعي لحضور المؤثرين واجب الدولة المضيفة وليس الضيف ومن يريد عقد قمة ناجحة عليه أن يهيئ لها أسباب النجاح لاابتزاز الدول العربية وترهيبها بكيل التهم والانتقاص من مواقفها خصوصا أن لديها ملاحظات تستحق الاهتمام".
وأضاف " السوريون يكررون على مسامعنا ليل نهار بأن قمة دمشق هي قمة التضامن العربي، ولا أدري عن أي تضامن يتحدثون؟ هل التضامن يعني تغييب دولة عربية من القمة بتعطيل الانتخابات الرئاسية (لبنان) ؟ هل يعقل أن تعهد القمة العربية ورئاسة مجلس الجامعة لدولة عربية ترى في التقارب والتلاحم مع ايران أهمية تفوق التلاحم والتقارب مع العرب أنفسهم؟ وقد يقول البعض إن السياسة مصالح ، لكن لغة المصالح تقول بأن لا نبارك احتلال دولة عربية من قبل دولة عربية أخرى، ولغة المصالح تقول بأن لا مصلحة لأحد في اغتيال دولة عربية مؤسسة في الجامعة العربية والمصالح تقول إنه لا يجوز القبول بتفتيت الدول العربية وتقسيمها من الداخل بزرع ميليشيا وأعوان لسوريا وإيران ، ولغة المصالح تقول إنه من الانتحار أن نتحول الى كارت تفاوض بأيدي الإيرانيين ولو على يد سوريا".
واختتم الحميد حديثه ، قائلا :" لا أرى مبررا لحضور على مستوى القادة لقمة دمشق، على الرغم من النكتة المضحكة التي أطلقها قبل أيام المفتي العام لسوريا البعثية السيد أحمد حسون حين قال إن حضور قمة دمشق (فرض عين على كل حاكم عربي وأن من يتخلف عن القمة بدون عذر صحي فهو آثم، فليس على المريض حرج ولا عذر سياسي لأي حاكم أن يتخلف عن قمة دمشق كما أنه لا يجوز لأي حاكم إرسال من يمثله لأن الأمة العربية هي اليوم بحاجة إلى لقائهم). وما حكم ما تفعله سوريا في لبنان منذ ثلاثين عاما يا مولانا؟ وما حكم ما تفعله سوريا بالتحالف مع إيران في لبنان والعراق وفلسطين، وسوريا نفسها، خصوصا ونحن نسمع ونقرأ كل يوم عن رغبة سوريا في استئناف المفاوضات مع إسرائيل وغزل هنا وتلميح هناك،في الوقت الذي يكتب فيه على لبنان وغزة والعراق التحول الى محرقة باسم المقاومة، بينما الجولان ينعم بهدوء تحسده عليه دمشق نفسها؟".
توقيت غير مناسب
وفي المقابل ، يرى التفسير الثاني أن الموقف المصري السعودي لم يكن له أى داع بل إنه خدم سوريا وخلق تعاطفا شعبيا معها كما أنه جاء في توقيت غير مناسب تماما فهو تزامن مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للمنطقة عشية القمة كما تزامن مع تقارير عن ضغوط أمريكية على حلفائها في المنطقة لعدم المشاركة في القمة.
فقد نشرت جريدة أخبار العرب في كندا أن الإدارة الأمريكية حذرت دولا عربية من المشاركة في القمة العشرين التي تستضيفها دمشق في 29 و30 مارس 2008 وطالبت بضرورة العمل على إفشالها بكل الوسائل ، ونقلت عن مسئول أمريكي قوله إن طاقما أمريكيا من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي تلقى تعليمات بالتواجد في المنطقة ليكون قريبا من التطورات وأن يطلع بعض العواصم على طبيعة بعض هذه التطورات وخاصة في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، وضرورة مشاركتها في إحداث هذه التطورات التي ستشكل ذريعة لإفشال القمة وإبقاء الحصار مفروضا على سوريا.
القمة بدون الرئيس المصري والعاهل السعودي
ووفقا للمسئول الأمريكي فإن حلفاء واشنطن في لبنان تلقوا تعليمات واضحة بتفجير الأوضاع في الساحة اللبنانية والانتقال من مرحلة التصريحات الإعلامية إلى مرحلة الصدام بأشكاله المختلفة وأنه في حال تطور هذا الصدام ستقوم إسرائيل بدور عسكري يستهدف المقاومة اللبنانية لاستعادة قوة ردعها وهيبتها ، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية ترى في تفجير الأوضاع في لبنان ضربة لسوريا وإيران والمقاومة الفلسطينية وتعزيزا وحماية للجهات والأنظمة التي أسماها بالمعتدلة في الساحة العربية التي يتهددها الخطر الإيراني .
نوايا مبيتة
وفي السياق ذاته ، قال الكاتب فهد الخيطان قي جريدة "العرب اليوم" الأردنية :" إنه فيما يبدو هناك نوايا مبيتة بالمقاطعة، تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة إلى حد توعد القطاع بمحرقة على الطريقة النازية, ثم إرسال المدمرة الأمريكية كول إلى السواحل اللبنانية لتهديد سوريا وحزب الله , تطورات تكفي بحد ذاتها إلى عقد قمة عربية طارئة فكيف إذا كنا على موعد القمة الدورية وهناك من وضع شروطا لحضورها لمجرد أنها تعقد في دمشق.ليس صحيحا أن الأزمة الرئاسية اللبنانية هي الدافع لامتناع بعض الزعماء العرب عن المشاركة في القمة لأن النوايا بالمقاطعة مبيتة فبعد قمة الرياض العام الماضي تنبأ دبلوماسيون عرب بأن قمة دمشق لن يحضرها أكثر من ستة رؤساء في أحسن الأحوال وفي ذلك الحين لم تكن المشكلة اللبنانية وصلت إلى المأزق الرئاسي وبدا واضحا أن البرود في علاقة دمشق مع الرياض والقاهرة سيلقي بظلاله على القمة العربية".
واستطرد يقول :" مع مرور الوقت تحولت القمة إلى ورقة ابتزاز لسوريا وللمرة الأولى في تاريخ القمم العربية يصر الضيوف على فرض شروطهم على الدولة المستضيفة وتحميلها المسئولية كاملة عن مأزق الفراغ الرئاسي في لبنان.لاشك أن سورية تتحمل جانبا كبيرا من المسئولية تجاه لبنان وهي لا تنكر أن لها مصالح حيوية في لبنان لا تستطيع التخلي عنها كما هو حال كل الدول, لكن هناك أطرافا أخرى تعبث بالملف اللبناني وتعيق المصالحة وهذا ليس بالأمر الجديد ، ففي عام 1988 ورغم الوجود العسكري السوري في لبنان وسيطرة دمشق الكاملة, ظل لبنان بلا رئيس لأكثر من سنة ولم تتمكن سوريا من فرض مرشحها للرئاسة بسبب تعنت أطراف لبنانية".
وأضاف " القمة العربية فرصة لا تتوفر دائما وهي المكان المناسب لمناقشة القضايا العربية وحلها ولو سلمنا جدلا بأن سوريا مسئولة عن الأزمة اللبنانية فهل مقاطعة القمة ستساهم في حلها. وإذا كانت أغلبية الدول العربية ترى أن سوريا هي المسئولة فعلا. فهل هناك مكان أفضل من دمشق لإحراج القيادة السورية والضغط عليها لتتجاوب مع مبادرة الجامعة العربية?! لنضع الملف اللبناني جانبا, ألا تستحق التطورات الجارية في فلسطين حضور القادة العرب للقمة بصرف النظر عن مكان انعقادها? ".
واختتم الخيطان حديثه ، قائلا :" في قمة الرياض اتفق العرب على إعادة تقييم الموقف من مبادرة السلام العربية بعد إعادة طرحها وتفعيلها وترويجها وتحديد مصيرها على ضوء المواقف الإسرائيلية والدولية منها وقمة دمشق هي المحطة المفترضة لعملية المراجعة . ما أخشاه أن بعض الدول العربية لا ترغب في المشاركة بقمة دمشق حتى لاتتعرض للإحراج بعد النتائج المخيبة لحملة تسويق المبادرة العربية ويبدو أنها وجدت في الأزمة اللبنانية حجة مناسبة للتغطية على فشل جهودها السلمية".
وهناك وجهات نظر أخرى تتفق مع ما سبق ، حيث يرى الكاتب اللبناني عصام نعمان أنه ليس من المفترض أن يتم تعطيل عقد القمة أو تغيير مكانها بسبب الأزمة اللبنانية، فهي في الأساس مشكلة داخلية بين الأغلبية والمعارضة داخل الدولة الواحدة، استغلتها قوى إقليمية ودولية لتحقيق مصالح محددة ، قائلا :" ربما يدفع انعقاد القمة في دمشق نحو التوصل إلى حل للأزمة اللبنانية وعلى نحو يرضي جميع الأطراف. أما من يطالب بضرورة حل الأزمة ال
الرئيس الجزائري يشارك بالقمة
لبنانية كشرط لانعقاد القمة في دمشق فهو كمن يضع العربة أمام الحصان، ومن ثم قد تتعقد المشكلة أكثر وأكثر".
وأضاف :" ما من قمة كانت مثار جدل كقمة دمشق . إنها أول قمة عربية تعقد في دمشق، فمن الطبيعي أن تهتم بها سوريا كثيراً وأن تحرص على انعقادها في زمانها ومكانها ، لكن هل من المنطقي أن تضع دولة عربية أو أكثر شروطاً لحضورها ؟ إن ذرائع عدم حضور قمة دمشق هي ذرائع موجهة ضد سوريا وتتبنى نفس مفردات الإدارة الأمريكية الهادفة إلى عزل سوريا، علماً بأن قمة دمشق ليست هي سوريا وإنما هي مكان استضافة القمة، وهذا المكان لم تقرره سوريا وإنما الجامعة العربية، إضافة لذلك، فإن سوريا نفسها لم تعترض على حضور أي طرف ولم تتدخل في توجيه أجندة القمة ولا في التأثير على الجامعة العربية أو أمينها العام عمرو موسى".
واستطرد يقول :" لاجدال أن في وسع كل دولة عربية طلب إضافة بند أو أكثر إلى جدول أعمال القمة، كما من الطبيعي دعوة كل الدول العربية للمشاركة في القمة بصرف النظر عمن يمثلها فيها ، لكن هل يعقل طلب إرجاء انعقاد قمة دورية تحدد مكانها وزمانها سلفاً بدعوى انتظار جلاء مسألة الصراع على السلطة في دولة عضو ؟ لعل أحداً لايجادل في أن ما يتهدد العرب في هذه الآونة من أخطار وتحديات يستوجب توظيف أوفر الجهود وأفعلها لمواجهتها على أعلى مستوى ممكن ".
المعتدلون وخيارات سوريا
من جهته ، يقول عبد الله الشايجي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت :" في اعتقادي أنه بدأ يتبلور الآن موقف واضح مما بات يعرف ب (دول الاعتدال العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ومصر) ، يعني للأسف الآن دخلنا بسبب ما نراه من تصادم بين المشروعين الإيراني والأمريكي في المنطقة في سياسة المحاور، التي كل طرف يريد أن يبدي أو يكون عنده موقف واضح مما يجري".
كما شكك الدكتور حسن نافعة أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة في احتمال تراجع سوريا عن التحالف الوثيق مع إيران ، قائلا :" من الناحية الاستراتيجية ، العلاقة مع الحليف الإيراني ومع حزب الله ومع حماس والمقاومة بحكم ظروف سوريا وبحكم أن الجولان محتل إلى آخره، هذا خيار أنا أعتقد أن لا مساومة عليه وعلى الدول العربية أن تدرك هذه الحقيقة ودول الاعتدال عليها أن تتصرف بطريقة لاتبدو فيها وكأنها مجرد أدوات في يد الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى لفك هذا التحالف وضرب إيران ".
وأطلق تحذيرا في هذا الشأن ، قائلا :" ما تزال مخاطر اندلاع حرب في المنطقة أو ضربة عسكرية ضد إيران قائمة وبالتالي تريد الولايات المتحدة زيادة حصار سوريا أو احتواء حزب الله أو ضمان أن لا يتحرك حزب الله إذا وجهت ضربة إلى إيران، إلى آخره، ولكن الخاسر الكبير سوف يكون سوريا أيضا إذا تم فك هذا التحالف وتوجيه ضربة لإيران لأن الدول المعتدلة غير قادرة حتى على الحصول على ضمانات تعطيها لسوريا ".
وفيما يبدو أنه اتساق مع وجهات نظر الشايجي ونافعة ، يقول الكاتب المصري جميل مطر في مقال نشرته صحيفة الحياة اللندنية :" أتمنى أن يرفض القادة العرب مفهوم حلف الاعتدال، ليس فقط لأنه يقسم حكومات العرب تماماً مثلما فعل الانكليز والفرنسيون في سابق الأزمنة ولكن أيضاً لأنه مفهوم يأتي في وقت تتفاقم فيه أزمات اجتماعية وسياسية ودينية عديدة لا تنفع لتهدئتها أو حلها إثارة استقطاب جديد بين متشددين أغلبهم معتدل في نواح كثيرة ومعتدلين أكثرهم متشدد في نواح كثيرة أيضاً ".
وأضاف " لا يخفى أن هناك من يعترفون بالهمس أو في دوائر مغلقة وحساسة بخطورة الورطة التي تجد أطراف متعددة نفسها فيها، وهي ورطة الاختيار بين التفريط والانفراط. لا أحد بين العرب يريد هذا أو ذاك، ولكن التهديد قائم ومتصاعد، حيث هناك من يعتقد أن الواقعية السياسية تفرض على الدول العربية تقديم تنازلات مقابل عدم التفتيت إلا أن التفريط لا قاع له، فضلاً عن أنه الطريق الأسرع نحو الانفراط وتفتيت الكيانات، ولدينا في تجارب الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا والصومال، أصدق البراهيـن.. كلها ففرطت وكلها تعرضت للانفراط ".
الرابح الأكبر
وبصفة عامة ، يرى مؤيدو التفسير الثاني أن اعتبار سوريا مسئولة عن عدم التوصل إلى انتخاب رئيس جديد للبنان يعني أن بيدها لوحدها الحل في لبنان وهذا اتهام لم تثبت صحته على الإطلاق، فهناك أطراف متصارعة كثيرة داخل الأزمة اللبنانية ، كما أنه إذا كانت هناك خلافات يجب أن تسوى داخل القمة العربية وليس من خلال الامتناع عن حضورها ، فهناك قضايا وتحديات خطيرة أخرى تتطلب الإسراع باتخاذ قرارات بشأنها للحفاظ على ماتبقى للعرب من حقوق .
تحالف إيران وسوريا يقلق بوش وأولمرت
بالإضافة إلى أن مواقف الدول التي تطلق عليهم واشنطن " حلف الاعتدال" جاءت عكس ما يرغبون تماما ، حيث ازداد الموقف تعقيدا بشأن الأزمة اللبنانية كما تساقطت فيما يبدو أوراق ابتزاز سوريا الواحدة تلو الأخرى ، فقد تساقطت ورقة الابتزاز بالقمة بمجرد انعقادها في مكانها وموعدها المحددين سلفا وباستضافة دمشق للقمة بمن حضر وبأي مستوى دون تقديم أية تنازلات تذكر ، كما أن سوريا من خلال القمة أثبتت لشعبها ولأمريكا بالتحديد بأنها غير معزولة وهو الأمر الذي لن تفوته الدبلوماسية السورية في الشهور المقبلة للعودة بفعالية للنظام العربي .
وهذا ما عبر عنه بوضوح تقرير نشره موقع الجمل الإلكتروني ، وجاء فيه أن أوراق ابتزاز سوريا سقطت بانعقاد القمة العربية وسقطت سابقا في غزة حينما عجزت إسرائيل عن تجويعها وتخويفها لدفعها للانتفاض على المقاومة وكسر أحد حلقات الممانعة والمقاومة قبل انعقاد قمة دمشق ، محذرا من أن مواقف السعودية ومصر تجاه القمة سوف تعرض البلدين لخطر الانعزال عن العمل العربي المشترك وإضعاف جامعة الدول العربية والاستسلام لخطر التبعية لواشنطن وفقدان المصداقية أمام الرأي العام العربي وتصاعد الخلافات والأزمات العربية على النحو الذي يؤثر سلباً على الوضع العربي الكلي والقطري.
وانتهى التقرير إلى القول إن موقف سوريا القائم على التمسك بالمقاومة والحقوق المشروعة هو موقف ينسجم ويتطابق تماماً مع توجهات الرأي العام العربي ولو حدث وتم طرح استفتاء عربي عام حول الموقف السوري وموقف "المعتدلين العرب" فإن الكفة الراجحة بلا شك سوف تكون لجانب سوريا.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع التحليلات السابقة،فإنه تبقى حقيقة هامة لاتخطئها العين وهى أن مصر والسعودية وسوريا طالما شكلت مجتمعة جبهة الدفاع عن الأمن القومي العربي في الماضي وهذا ما يجب أن يكون في الحاضر والمستقبل أيضا ، فلا عروبة حقيقية بدون الدول الثلاث.
سوريا تكسب و"المعتدلون " يخسرون
الأسد رفض تقديم أية تنازلات
رغم أن القمة العربية العشرين في دمشق لن تسفر كسابقاتها عن قرارات قوية تلبي آمال وطموحات الشعوب المغلوبة على أمرها ، إلا أن هناك تحليلات ترجح أن نتائجها سترفع من أسهم سوريا وليس زيادة عزلتها كما كان يرغب بوش وأولمرت ، بالإضافة إلى أنها ستأتي بمردود سلبي على دول عربية كبيرة طالما عرف عنها قيادتها جهود الدفاع عن الحقوق العربية وجاءت مواقفها عشية القمة بمثابة صدمة لكثيرين.
محيط - جهان مصطفى
فمصر السعودية كانت قد اشترطتا حسم مسألة الاستحاق الرئاسي اللبناني للمشاركة بالقمة ثم أعلنتا بعد ذلك خفض مستوي تمثيلهما فيها ، هذا الموقف اعتبره البعض بمثابة احتجاج على موقف الحكومة السورية من الأزمة السياسية فى لبنان ومحاولة للضغط على دمشق للإسراع بإنهائها ، فيما اعتبره البعض الآخر بمثابة ابتزاز سياسي لسوريا ورضوخ لرغبات واشنطن وبالطبع لكل من التفسيرين ما يبرره.
التفسير الأول ينطلق من أن مواقف مصر والسعودية من القمة لم تكن لتظهر لولا رفض دمشق ممارسة أية ضغوط على حلفائها داخل لبنان للقبول بالمبادرة العربية وانتخاب قائد الجيش العماد ميشيل سليمان رئيسا جديدا للبنان .
صحيح أن سوريا خرجت من لبنان منذ ثلاث سنوات إلا أنها لا تزال تؤثر، ولديها حلفاءها وهذا مايطالب به الطرف العربي الذي مارس نوعا من الضغط على حلفائه في حكومة السنيورة وتيار الموالاة للقبول بالرئيس التوافقي الذين كانوا يرفضونه في البداية ، ورغم ترحيب المعارضة بالرئيس التوافقي أيضا إلا أنها مازالت تتمسك بالثلث الضامن والاتفاق على تشكيل الحكومة قبل انتخاب الرئيس ، يعني الشيطان في التفاصيل ، ولذا كانت رسالة مصر والسعودية واضحة لدفع سوريا وحلفائها في المسرح اللبناني لحسم الأمر.
وفي هذا الصدد ، يتساءل الكاتب طارق الحميد في مقال نشرته صحيفة الشرق الاوسط اللندنية " قمة دمشق .. لماذا الحضور ؟" ، قائلا :" لا أرى مبررا للاستغراب بشأن قرار المملكة العربية السعودية إيفاد مندوبها لدى الجامعة العربية لحضور القمة العربية في دمشق، بل السؤال الذي يجب أن يطرح.. ولماذا الحضور؟ إنجاح القمم والسعي لحضور المؤثرين واجب الدولة المضيفة وليس الضيف ومن يريد عقد قمة ناجحة عليه أن يهيئ لها أسباب النجاح لاابتزاز الدول العربية وترهيبها بكيل التهم والانتقاص من مواقفها خصوصا أن لديها ملاحظات تستحق الاهتمام".
وأضاف " السوريون يكررون على مسامعنا ليل نهار بأن قمة دمشق هي قمة التضامن العربي، ولا أدري عن أي تضامن يتحدثون؟ هل التضامن يعني تغييب دولة عربية من القمة بتعطيل الانتخابات الرئاسية (لبنان) ؟ هل يعقل أن تعهد القمة العربية ورئاسة مجلس الجامعة لدولة عربية ترى في التقارب والتلاحم مع ايران أهمية تفوق التلاحم والتقارب مع العرب أنفسهم؟ وقد يقول البعض إن السياسة مصالح ، لكن لغة المصالح تقول بأن لا نبارك احتلال دولة عربية من قبل دولة عربية أخرى، ولغة المصالح تقول بأن لا مصلحة لأحد في اغتيال دولة عربية مؤسسة في الجامعة العربية والمصالح تقول إنه لا يجوز القبول بتفتيت الدول العربية وتقسيمها من الداخل بزرع ميليشيا وأعوان لسوريا وإيران ، ولغة المصالح تقول إنه من الانتحار أن نتحول الى كارت تفاوض بأيدي الإيرانيين ولو على يد سوريا".
واختتم الحميد حديثه ، قائلا :" لا أرى مبررا لحضور على مستوى القادة لقمة دمشق، على الرغم من النكتة المضحكة التي أطلقها قبل أيام المفتي العام لسوريا البعثية السيد أحمد حسون حين قال إن حضور قمة دمشق (فرض عين على كل حاكم عربي وأن من يتخلف عن القمة بدون عذر صحي فهو آثم، فليس على المريض حرج ولا عذر سياسي لأي حاكم أن يتخلف عن قمة دمشق كما أنه لا يجوز لأي حاكم إرسال من يمثله لأن الأمة العربية هي اليوم بحاجة إلى لقائهم). وما حكم ما تفعله سوريا في لبنان منذ ثلاثين عاما يا مولانا؟ وما حكم ما تفعله سوريا بالتحالف مع إيران في لبنان والعراق وفلسطين، وسوريا نفسها، خصوصا ونحن نسمع ونقرأ كل يوم عن رغبة سوريا في استئناف المفاوضات مع إسرائيل وغزل هنا وتلميح هناك،في الوقت الذي يكتب فيه على لبنان وغزة والعراق التحول الى محرقة باسم المقاومة، بينما الجولان ينعم بهدوء تحسده عليه دمشق نفسها؟".
توقيت غير مناسب
وفي المقابل ، يرى التفسير الثاني أن الموقف المصري السعودي لم يكن له أى داع بل إنه خدم سوريا وخلق تعاطفا شعبيا معها كما أنه جاء في توقيت غير مناسب تماما فهو تزامن مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للمنطقة عشية القمة كما تزامن مع تقارير عن ضغوط أمريكية على حلفائها في المنطقة لعدم المشاركة في القمة.
فقد نشرت جريدة أخبار العرب في كندا أن الإدارة الأمريكية حذرت دولا عربية من المشاركة في القمة العشرين التي تستضيفها دمشق في 29 و30 مارس 2008 وطالبت بضرورة العمل على إفشالها بكل الوسائل ، ونقلت عن مسئول أمريكي قوله إن طاقما أمريكيا من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي تلقى تعليمات بالتواجد في المنطقة ليكون قريبا من التطورات وأن يطلع بعض العواصم على طبيعة بعض هذه التطورات وخاصة في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، وضرورة مشاركتها في إحداث هذه التطورات التي ستشكل ذريعة لإفشال القمة وإبقاء الحصار مفروضا على سوريا.
القمة بدون الرئيس المصري والعاهل السعودي
ووفقا للمسئول الأمريكي فإن حلفاء واشنطن في لبنان تلقوا تعليمات واضحة بتفجير الأوضاع في الساحة اللبنانية والانتقال من مرحلة التصريحات الإعلامية إلى مرحلة الصدام بأشكاله المختلفة وأنه في حال تطور هذا الصدام ستقوم إسرائيل بدور عسكري يستهدف المقاومة اللبنانية لاستعادة قوة ردعها وهيبتها ، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية ترى في تفجير الأوضاع في لبنان ضربة لسوريا وإيران والمقاومة الفلسطينية وتعزيزا وحماية للجهات والأنظمة التي أسماها بالمعتدلة في الساحة العربية التي يتهددها الخطر الإيراني .
نوايا مبيتة
وفي السياق ذاته ، قال الكاتب فهد الخيطان قي جريدة "العرب اليوم" الأردنية :" إنه فيما يبدو هناك نوايا مبيتة بالمقاطعة، تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة إلى حد توعد القطاع بمحرقة على الطريقة النازية, ثم إرسال المدمرة الأمريكية كول إلى السواحل اللبنانية لتهديد سوريا وحزب الله , تطورات تكفي بحد ذاتها إلى عقد قمة عربية طارئة فكيف إذا كنا على موعد القمة الدورية وهناك من وضع شروطا لحضورها لمجرد أنها تعقد في دمشق.ليس صحيحا أن الأزمة الرئاسية اللبنانية هي الدافع لامتناع بعض الزعماء العرب عن المشاركة في القمة لأن النوايا بالمقاطعة مبيتة فبعد قمة الرياض العام الماضي تنبأ دبلوماسيون عرب بأن قمة دمشق لن يحضرها أكثر من ستة رؤساء في أحسن الأحوال وفي ذلك الحين لم تكن المشكلة اللبنانية وصلت إلى المأزق الرئاسي وبدا واضحا أن البرود في علاقة دمشق مع الرياض والقاهرة سيلقي بظلاله على القمة العربية".
واستطرد يقول :" مع مرور الوقت تحولت القمة إلى ورقة ابتزاز لسوريا وللمرة الأولى في تاريخ القمم العربية يصر الضيوف على فرض شروطهم على الدولة المستضيفة وتحميلها المسئولية كاملة عن مأزق الفراغ الرئاسي في لبنان.لاشك أن سورية تتحمل جانبا كبيرا من المسئولية تجاه لبنان وهي لا تنكر أن لها مصالح حيوية في لبنان لا تستطيع التخلي عنها كما هو حال كل الدول, لكن هناك أطرافا أخرى تعبث بالملف اللبناني وتعيق المصالحة وهذا ليس بالأمر الجديد ، ففي عام 1988 ورغم الوجود العسكري السوري في لبنان وسيطرة دمشق الكاملة, ظل لبنان بلا رئيس لأكثر من سنة ولم تتمكن سوريا من فرض مرشحها للرئاسة بسبب تعنت أطراف لبنانية".
وأضاف " القمة العربية فرصة لا تتوفر دائما وهي المكان المناسب لمناقشة القضايا العربية وحلها ولو سلمنا جدلا بأن سوريا مسئولة عن الأزمة اللبنانية فهل مقاطعة القمة ستساهم في حلها. وإذا كانت أغلبية الدول العربية ترى أن سوريا هي المسئولة فعلا. فهل هناك مكان أفضل من دمشق لإحراج القيادة السورية والضغط عليها لتتجاوب مع مبادرة الجامعة العربية?! لنضع الملف اللبناني جانبا, ألا تستحق التطورات الجارية في فلسطين حضور القادة العرب للقمة بصرف النظر عن مكان انعقادها? ".
واختتم الخيطان حديثه ، قائلا :" في قمة الرياض اتفق العرب على إعادة تقييم الموقف من مبادرة السلام العربية بعد إعادة طرحها وتفعيلها وترويجها وتحديد مصيرها على ضوء المواقف الإسرائيلية والدولية منها وقمة دمشق هي المحطة المفترضة لعملية المراجعة . ما أخشاه أن بعض الدول العربية لا ترغب في المشاركة بقمة دمشق حتى لاتتعرض للإحراج بعد النتائج المخيبة لحملة تسويق المبادرة العربية ويبدو أنها وجدت في الأزمة اللبنانية حجة مناسبة للتغطية على فشل جهودها السلمية".
وهناك وجهات نظر أخرى تتفق مع ما سبق ، حيث يرى الكاتب اللبناني عصام نعمان أنه ليس من المفترض أن يتم تعطيل عقد القمة أو تغيير مكانها بسبب الأزمة اللبنانية، فهي في الأساس مشكلة داخلية بين الأغلبية والمعارضة داخل الدولة الواحدة، استغلتها قوى إقليمية ودولية لتحقيق مصالح محددة ، قائلا :" ربما يدفع انعقاد القمة في دمشق نحو التوصل إلى حل للأزمة اللبنانية وعلى نحو يرضي جميع الأطراف. أما من يطالب بضرورة حل الأزمة ال
الرئيس الجزائري يشارك بالقمة
لبنانية كشرط لانعقاد القمة في دمشق فهو كمن يضع العربة أمام الحصان، ومن ثم قد تتعقد المشكلة أكثر وأكثر".
وأضاف :" ما من قمة كانت مثار جدل كقمة دمشق . إنها أول قمة عربية تعقد في دمشق، فمن الطبيعي أن تهتم بها سوريا كثيراً وأن تحرص على انعقادها في زمانها ومكانها ، لكن هل من المنطقي أن تضع دولة عربية أو أكثر شروطاً لحضورها ؟ إن ذرائع عدم حضور قمة دمشق هي ذرائع موجهة ضد سوريا وتتبنى نفس مفردات الإدارة الأمريكية الهادفة إلى عزل سوريا، علماً بأن قمة دمشق ليست هي سوريا وإنما هي مكان استضافة القمة، وهذا المكان لم تقرره سوريا وإنما الجامعة العربية، إضافة لذلك، فإن سوريا نفسها لم تعترض على حضور أي طرف ولم تتدخل في توجيه أجندة القمة ولا في التأثير على الجامعة العربية أو أمينها العام عمرو موسى".
واستطرد يقول :" لاجدال أن في وسع كل دولة عربية طلب إضافة بند أو أكثر إلى جدول أعمال القمة، كما من الطبيعي دعوة كل الدول العربية للمشاركة في القمة بصرف النظر عمن يمثلها فيها ، لكن هل يعقل طلب إرجاء انعقاد قمة دورية تحدد مكانها وزمانها سلفاً بدعوى انتظار جلاء مسألة الصراع على السلطة في دولة عضو ؟ لعل أحداً لايجادل في أن ما يتهدد العرب في هذه الآونة من أخطار وتحديات يستوجب توظيف أوفر الجهود وأفعلها لمواجهتها على أعلى مستوى ممكن ".
المعتدلون وخيارات سوريا
من جهته ، يقول عبد الله الشايجي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت :" في اعتقادي أنه بدأ يتبلور الآن موقف واضح مما بات يعرف ب (دول الاعتدال العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ومصر) ، يعني للأسف الآن دخلنا بسبب ما نراه من تصادم بين المشروعين الإيراني والأمريكي في المنطقة في سياسة المحاور، التي كل طرف يريد أن يبدي أو يكون عنده موقف واضح مما يجري".
كما شكك الدكتور حسن نافعة أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة في احتمال تراجع سوريا عن التحالف الوثيق مع إيران ، قائلا :" من الناحية الاستراتيجية ، العلاقة مع الحليف الإيراني ومع حزب الله ومع حماس والمقاومة بحكم ظروف سوريا وبحكم أن الجولان محتل إلى آخره، هذا خيار أنا أعتقد أن لا مساومة عليه وعلى الدول العربية أن تدرك هذه الحقيقة ودول الاعتدال عليها أن تتصرف بطريقة لاتبدو فيها وكأنها مجرد أدوات في يد الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى لفك هذا التحالف وضرب إيران ".
وأطلق تحذيرا في هذا الشأن ، قائلا :" ما تزال مخاطر اندلاع حرب في المنطقة أو ضربة عسكرية ضد إيران قائمة وبالتالي تريد الولايات المتحدة زيادة حصار سوريا أو احتواء حزب الله أو ضمان أن لا يتحرك حزب الله إذا وجهت ضربة إلى إيران، إلى آخره، ولكن الخاسر الكبير سوف يكون سوريا أيضا إذا تم فك هذا التحالف وتوجيه ضربة لإيران لأن الدول المعتدلة غير قادرة حتى على الحصول على ضمانات تعطيها لسوريا ".
وفيما يبدو أنه اتساق مع وجهات نظر الشايجي ونافعة ، يقول الكاتب المصري جميل مطر في مقال نشرته صحيفة الحياة اللندنية :" أتمنى أن يرفض القادة العرب مفهوم حلف الاعتدال، ليس فقط لأنه يقسم حكومات العرب تماماً مثلما فعل الانكليز والفرنسيون في سابق الأزمنة ولكن أيضاً لأنه مفهوم يأتي في وقت تتفاقم فيه أزمات اجتماعية وسياسية ودينية عديدة لا تنفع لتهدئتها أو حلها إثارة استقطاب جديد بين متشددين أغلبهم معتدل في نواح كثيرة ومعتدلين أكثرهم متشدد في نواح كثيرة أيضاً ".
وأضاف " لا يخفى أن هناك من يعترفون بالهمس أو في دوائر مغلقة وحساسة بخطورة الورطة التي تجد أطراف متعددة نفسها فيها، وهي ورطة الاختيار بين التفريط والانفراط. لا أحد بين العرب يريد هذا أو ذاك، ولكن التهديد قائم ومتصاعد، حيث هناك من يعتقد أن الواقعية السياسية تفرض على الدول العربية تقديم تنازلات مقابل عدم التفتيت إلا أن التفريط لا قاع له، فضلاً عن أنه الطريق الأسرع نحو الانفراط وتفتيت الكيانات، ولدينا في تجارب الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا والصومال، أصدق البراهيـن.. كلها ففرطت وكلها تعرضت للانفراط ".
الرابح الأكبر
وبصفة عامة ، يرى مؤيدو التفسير الثاني أن اعتبار سوريا مسئولة عن عدم التوصل إلى انتخاب رئيس جديد للبنان يعني أن بيدها لوحدها الحل في لبنان وهذا اتهام لم تثبت صحته على الإطلاق، فهناك أطراف متصارعة كثيرة داخل الأزمة اللبنانية ، كما أنه إذا كانت هناك خلافات يجب أن تسوى داخل القمة العربية وليس من خلال الامتناع عن حضورها ، فهناك قضايا وتحديات خطيرة أخرى تتطلب الإسراع باتخاذ قرارات بشأنها للحفاظ على ماتبقى للعرب من حقوق .
تحالف إيران وسوريا يقلق بوش وأولمرت
بالإضافة إلى أن مواقف الدول التي تطلق عليهم واشنطن " حلف الاعتدال" جاءت عكس ما يرغبون تماما ، حيث ازداد الموقف تعقيدا بشأن الأزمة اللبنانية كما تساقطت فيما يبدو أوراق ابتزاز سوريا الواحدة تلو الأخرى ، فقد تساقطت ورقة الابتزاز بالقمة بمجرد انعقادها في مكانها وموعدها المحددين سلفا وباستضافة دمشق للقمة بمن حضر وبأي مستوى دون تقديم أية تنازلات تذكر ، كما أن سوريا من خلال القمة أثبتت لشعبها ولأمريكا بالتحديد بأنها غير معزولة وهو الأمر الذي لن تفوته الدبلوماسية السورية في الشهور المقبلة للعودة بفعالية للنظام العربي .
وهذا ما عبر عنه بوضوح تقرير نشره موقع الجمل الإلكتروني ، وجاء فيه أن أوراق ابتزاز سوريا سقطت بانعقاد القمة العربية وسقطت سابقا في غزة حينما عجزت إسرائيل عن تجويعها وتخويفها لدفعها للانتفاض على المقاومة وكسر أحد حلقات الممانعة والمقاومة قبل انعقاد قمة دمشق ، محذرا من أن مواقف السعودية ومصر تجاه القمة سوف تعرض البلدين لخطر الانعزال عن العمل العربي المشترك وإضعاف جامعة الدول العربية والاستسلام لخطر التبعية لواشنطن وفقدان المصداقية أمام الرأي العام العربي وتصاعد الخلافات والأزمات العربية على النحو الذي يؤثر سلباً على الوضع العربي الكلي والقطري.
وانتهى التقرير إلى القول إن موقف سوريا القائم على التمسك بالمقاومة والحقوق المشروعة هو موقف ينسجم ويتطابق تماماً مع توجهات الرأي العام العربي ولو حدث وتم طرح استفتاء عربي عام حول الموقف السوري وموقف "المعتدلين العرب" فإن الكفة الراجحة بلا شك سوف تكون لجانب سوريا.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع التحليلات السابقة،فإنه تبقى حقيقة هامة لاتخطئها العين وهى أن مصر والسعودية وسوريا طالما شكلت مجتمعة جبهة الدفاع عن الأمن القومي العربي في الماضي وهذا ما يجب أن يكون في الحاضر والمستقبل أيضا ، فلا عروبة حقيقية بدون الدول الثلاث.