المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هوية الأرض


راند
03-31-2008, 04:47 PM
صراع الموارنة وهوية الأرض

لم يعرف الموارنة تأزما واضطرابا وقلقا وفقدانا للثقة في ما بينهم كما هو حاصل اليوم. وهذا ما يدمي قلوب الانقياء منهم والمخلصين.
خرج المستعمرون الفرنسيون من لبنان بعدما سلموا الموارنة معظم صلاحيات الوطن. اعطوهم الاستقلال والثقافة والمدارس والجيش. واقسموا ان فرنسا ستكون الى جانبهم على الدوام. ومع ذلك فرّط ابناء مارون واحفاده وكل من ينتمي اليه بالوزنات حتى وصلوا الى ما وصلوا اليه اليوم من تشرذم واختلاف في الآراء، ومن هجرة الى البلاد القريبة والنائية سعيا للقمة العيش، علما ان بعضهم ينشدون البلدان النائية فلا يعودوا ابداء وان كانوا يتمتعون فيه بوظائف تؤمن لهم رواتب مغرية، او كانوا اصحاب مهن حرة تدر عليهم المال والمجد.
كرس الاستقلال رئاسة الجمهورية للموارنة. وبعد حرب ضروس استمرت خمس عشرة سنة ثبّت اتفاق الطائف هذه الرئاسة، من جديد للموارنة، وان انتزع منها جوهر الصلاحيات. واليوم، وبعد فراغ رئاسة الجمهورية من الرئيس، لم يتوصل اقطاب الموارنة والسياسيون المتهالكون الى الكراسي والمغانم الى انتخاب رئيس للجمهورية، وان تنادوا جميعا ان العماد ميشال سليمان هو الرئيس التوافقي.
ان عدم انتخاب الرئيس يحبط من عزيمة الموارنة الشرفاء الذين ملوا تصرفات من اوكلوا اليهم امورهم في السياسة. فقسم من هؤلاء يدعو الى فتح ابواب المجلس النيابي لانتخاب الرئيس ثم تشكيل حكومة اتحاد وطني. وقسم يدعو الى انتخاب الرئيس بعد التوافق على سلة شروط.
عجيب امر هؤلاء واولئك، فكل يغني على ليلاه متناسيا ان رئاسة الجمهورية المعقودة اللواء للموارنة تكاد "تفلت" من عرينها الشامخ، ومتناسيا ايضا ان الذين سيوصلون العماد سليمان الى قصر بعبدا غير مدركين الاخطار التي تحدق بالموارنة اولا وبالمسيحيين ثانيا وبالوطن على اختلاف طوائفه ثالثا.
والموارنة الاقحاح يذكّرون اليوم طرفي النزاع المارونيين على رئاسة الجمهورية بقول والدة آخر ملوك الاندلس:
إبك مثل النساء ملكا مضاعا
لم تحافظ عليه مثل الرجالِ
يذكّرونهم بهذا البيت من الشعر علهم يعون ويتعظون قبل فوات الاوان.
لقد هبت دول عربية واجنبية لمساعدة لبنان على الخروج من ازمته الرئاسية. فارسلت اليه مسؤولين كبارا فيها، اجتمعوا الى مختلف افرقاء النزاع من موارنة وغير موارنة. واستمعوا الى آرائهم، وقدموا اقتراحات وحلولا. فريق اخذ بها كلها، وفريق قبل بما يلائمه منها. فبقيت الازمة على حالها ان لم تكن ترقد في الثلاجة.
اما الموفدون العرب فقد اجمعوا جميعهم وشددوا على ان الرئاسة هي للموارنة. وعلى الموارنة ان يحافظوا عليها وان يتمسكوا بها كونها صمام امان لهم ولمسيحيي لبنان والمشرق العربي.
من واجب الموارنة ان يهتموا بوطن الارز الخالد ولا يفرطوا بالرئاسة. وعليهم ايضا ان لا يفرّطوا بحبة تراب من ارضه. فالارض التي يبيعونها اليوم هي ملك الآباء والاجداد الذين كدوا وجاهدوا في سبيلها، وتركوها للاولاد والاحفاد. وعلى الكنيسة المارونية ان تحزم امرها ازاء هذا الوضع الخطير، فتبادر الى جمع اغنياء الطائفة – وتقدر ثروات بعضهم بملايين الدولارات – ليقيموا "لوبي" مارونيا لشراء الاراضي من ابناء الطائفة. كما ان الكنيسة مدعوة الى ذلك فعلى المسيحيين من غير الموارنة ان يتمسكوا بالارض الموروثة ولا يعرضوها للبيع مهما كبرت الاغراءات المادية.
ومن هذا المنطلق سأورد قصة رواها لي مصري كان يملك في باريس متجرا لبيع الهدايا من عطور وربطات عنق واقلام حبر مذهبة. وكنت اعتدت وانا في باريس في زيارة صحافية او سياحية، ان ازور متجرا لبيع مثل هذه الهدايا كان يقدم حسما لمن يحمل جواز سفر غير فرنسي يبلغ الاربعين في المئة. فقال لي يوما الاديب والاذاعي في "مونتي كارلو" والصديق الراحل ادوار طربيه: هناك متجر متواضع في باريس اسمه "هدايا ايفا" يملكه مصري أمّم الرئيس جمال عبد الناصر املاكه في مصر. وهو يقدم حسما يصل الى خمسين في المئة. فقصدته للتو حاملا في يدي قطعة قماش كنت اشتريتها لوالدتي من محلات بوشاره Bouchara في شارع الشانزليزيه. ولما رآها صاحب المتجر قال لي: لماذا اشتريت ما اشتريت من هذه المحلات، ألا تعلم ان صاحبها يهودي عراقي؟ من عائلة بشارة؟ فنفيت علمي بذلك باعتبار ان الاسم كما هو مدون بوشارة هو فرنسي. واردف يقول: سأروي لك قصة حصلت مع صاحب محلات بوشارة. لقد دعت الصهيونية العالمية الى حفلة راقصة في باريس يعود ريعها الى دولة اسرائيل. فحضرها اثرياء من يهود العالم راحوا يتبرعون بسخاء للدولة المغتصبة. وكان تبرع من محلات بوشارة عبر شيك مصري. وفي اليوم التالي اعيد الشيك الى صاحبه باعتبار المبلغ المدون عليه ضئيل جدا، اذا ما قيس بثروة بوشارة. وللحال حرر صاحبه شيكا جديدا وارسله الى صندوق الصهيونية العالمية. وهنا قلت للمصري: ألم يكن في امكان بوشارة الا يرسل شيكا جديدا. فقال: ان الصهيونية العالمية تعرف مدخوله السنوي من العملة الفرنسية. ولو تقاعس عن ارسال الشيك الجديد، ففي امكانها ان تغتاله او تحرق محلاته او تخطف ابناءه او تحول بيته الى جحيم او... او...
اروي هذه الحادثة لا للامتثال بها عندنا. ارويها ملحا على قيام "لوبي" ماروني يحض ابناء الطائفة على عدم بيع اراضيهم واملاكهم التي تركها لهم الآباء والاجداد. ومن واجبهم ان يحافظوا عليها ويسقوها حبا ويزيدوها اراضي من جني تعبهم.
ان الموارنة صنعوا لبنان فليحافظوا عليه ولا يتفرقوا. وليجعلوه دائما جوهرة العرب، وواحة سلام ووئام، ومنارة لا تنطفئ انوارها ابدا.


بقلم ابرهيم عبده الخوري