عاشق وطن
04-23-2008, 06:03 PM
رحيل الشاعر والمسرحي المارتينيكي ايمي سيزير
الزنجي الذي طوّع الفرنسية كما لم يطوّعها شاعرٌ بلغته الأمّ
http://yarablue.com/uploaded/2_1208962894.jpghttp://yarablue.com/uploaded/2_1208962914.jpghttp://yarablue.com/uploaded/2_1208962938.jpg
في غضون ساعات سيطوف رفات إيمي سيزير في المارتينيك العزيزة، المنكسة خلال أيام ثلاثة. ستستبقيه شمس الأنتيل وأشجار جوز الهند والرمل المخملي. سيذوب في جسد بلاده المحفور ندبا، باعتباره واحدا من مؤسسي عصبة "تيار الزنوجة". سيتمرغ في تراب وطن لم يحد يوما عن معتقداته ومثله الغابرة، غير أنه احتاج سيزير وأمثاله لينفخ فيه نبضا متجددا، ويجعله يستعيد أنفاسه بعد لهاث مديد، في دغل الإجحاف والتسلّط. في لحظة مغادرة سيزير عن الرابعة بعد التسعين، من كان ليرثه أفضل من رفاق العصبة، من أشقاء "تيار الزنوجة" ليون غونتران داماس وبيراغو ديوب وخصوصا الكبير ليوبولد سيدار سنغور، الذي عرفه شابا في "لوي لوغران"، في باريس؟ في ثلاثينات القرن العشرين تآزروا لإنشاء مجلة "الطالب الأسود" حيث شقّ مصطلح "الزنوجة" سبيله الى القواميس، مسوّغة تستلهم مكانة إفريقيا وثقافتها، وتجعل أبناء السحنة، يفقهون أن قارتهم الممقوتة والمحتقرة حاضنة لحضارة زاخرة تستأهل الاعتداد. سيزير وسنغور، إسمان لتاريخ عرق. صحيح أن في الفروق الصغيرة، سمّى سنغور الفرنسية وسيطا حياديا نافعا ولغة "استقامة" في حين أصرّ سيزير على كتابة فرنسية "سوداء"، غير أنهما، في الفحوى، نقّبا معا عن روح كادت أن تتبدد، فجعلاها تهيم في نسق ابتكاري. مكث سيزير عمدةً لمكان يُدعى فور دو فرانس طوال ما يزيد على خمسة عقود، وممثل المارتينيك في الجمعية الوطنية الفرنسية، واستتب، وهذا الأهم، علامة تنوير شعرية ومسرحية وبحثية. في شعره المتطلب المجبول سوريالية، لقّح الفرنسية بتعابير الجزر من دون الاستغاثة بالحدوتة التقليدية أو المناطقية. قالت قصيدته الحسرة والوجع والاحتقار والأخوة أيضا، وجعلته يعبر الى هندوسية أبناء كالكوتا وزنوجة السود في هارلم. جعل الرجل عمله المسرحي "تراجيديا الملك كريستوف" جزءا من ريبرتوار الكوميديا الفرنسية، وطبع الخشبة بعناوين "الكلاب صمتت" و"موسم في الكونغو" وسواها. صدح تحت سقف الجمعية الوطنية في 1949 بـ"خطاب حول الكولونيالية"، ففقأ دمّل استعمار ذهب بالمرء الى درك الانحطاط وأيقظ غرائزه الآسنة. في نبرة ساخطة وقادرة، تحدث سيزير يومذاك عن ترهّل حضاري وعن حضارة غربية تتأكلها الغرغرينا، وكانت تلك بمنزلة إشارات منذرةً بانفلاش "الزنوجة" كحركة إنسانية وتضامنية تضمّ مستضعفي الكرة الأرضية. القلم الزنجي الذي رصده اندره بروتون، يطوّع اللغة الفرنسية مثلما يعجز أبيض عن تطويعها. نُذر "شاعرا سياسيا" على ما عنونت مجلة "ماغازين ليتيرير" أواخر الستينات. وهو اعتنق هذا الوصف في جدية والتزام وفخر، ليجد في الشعر مسحة إيمانية و"سلاحا عجائبيا" ووعيا مسننا يعيد انتظام بوصلة الذاكرة في لحظات التيه. هكذا حصل يوم انغمست فرنسا في محاولة استنباط دور إيجابي للاستعمار المخزي. كان صوت ايمي سيزير الوافد من خبايا الماضي، ليذكّر كم يتعذّر تبرير الغرب أخلاقيا وروحانيا، وليكرّر المرة تلو المرة قيام الغرب على "أرفع كومة من جثث الإنسانية". كيف لا يتكلم، والفتى المولود في باس بوانت في العشرية الثانية من القرن المنصرم في أسرة من الموظفين الصغار، تجرّع مبكرا بؤس شعب موسوم بقرنين من العبودية، كما يوسم كل القطعان في حظائر المستعمرين. أرسل الفتى المتقد الذكاء الى العاصمة الفرنسية ليتابع دراسات عليا ويلتحق بـ"المعهد الوطني للادارة" ويجد بين أقرانه الطلاب حافزا لمقارعة الاستعمار وأوجهها المختلفة. وعندما ألحّت ساعة الرجوع الى المارتينيك، عارض حكومة فيشي ونشر "دفتر عودة الى الوطن الأم"، ديوانه البكر الذي كان أول طلقة رحمة في رأس العنصرية المتعفنة. أراد سيزير امتلاك رقصات أبناء جلده، الرقصات التي تكسر قضبان السجن وتقول بهاء طلعة الزنجي. استشرف الشاعر في "الدفتر" أن فمه سيصير فم المصائب التي لا فم لها، وأن صوته سيغدو حرية أولئك "المرتخين في أقبية القنوط". في الأيام اليسيرة المقبلة، ستهزج الملايين لقد أحببنا ايمي سيزير، وسيسمع انتحاب مواطنيه الفخورين يودّعون "بابا سيزير" كما ينادونه تحببا، وسيلتحق بهم قراء مئتين وثلاث وخمسين قصيدة نظمت بين ثلاثينات القرن العشرين ونهاياته. قال سيزير يوما ان الزنوجة حية طالما بقي زنوج على البسيطة. نستأذنه لنعلن ان الزنوجة حية طالما بقي شعر سيزير. شعر متنه الحواس، شعر الجرح النازف السرمدي.
نـــــــبــــــــوءة
هناك
حيث تظلّ للمغامرة عينان فاتحتان
حيث النساء يلتمعن من فرط اللغة
حيث الموت جميل في اليد كعصفور
كموسم حليبيّ
هناك حيث الجوف يقطف من سجوده
تَرَفَ حدقتين أشدّ عنفاً من يسروع
هناك حيث الدهشة الرشيقة تصنع من كل خشبٍ سهماً وناراً
هناك حيث الليل القوي ينزف سرعة النبات النقيّ
هناك حيث نحلات النجوم
يلسعن سماء قفيرٍ أشدّ احتداماً من الليل
هناك حيث صوت كعبَيّ يملأ الفضاء
ويرفع وجه الزمن في المقلوب
هناك حيث قوس قزح كلماتي
مكلّفةٌ جمع الغد بالأمل والطفل بالملكة
من فرط ما شتمتُ أسيادي وعضضتُ جنود السلطان
من فرط ما تأوهتُ في الصحراء
من فرط ما ناديتُ حرّاسي
من فرط ما رجوت بنات آوى والضباع
رعاة القوافل،
هناك أنظر
الدخان يركض كحصان برّي
وفي مقدمة المشهد الحمم تنسج لحظتها
بذنبها الطاووسي الهشّ
ثم يتمزق القميص
وفجأة ينفتح الصدر
وأراه الصدر جزراً بريطانية
جزراً صغيرة
صخوراً مفتتةً تذوب ببطء في بحر الهواء الواعي
هناك حيث تسبح
كنبوءات
شدقي
تمرّدي
إسمي.
المقدمه بـــ / قلم رلى راشد
الزنجي الذي طوّع الفرنسية كما لم يطوّعها شاعرٌ بلغته الأمّ
http://yarablue.com/uploaded/2_1208962894.jpghttp://yarablue.com/uploaded/2_1208962914.jpghttp://yarablue.com/uploaded/2_1208962938.jpg
في غضون ساعات سيطوف رفات إيمي سيزير في المارتينيك العزيزة، المنكسة خلال أيام ثلاثة. ستستبقيه شمس الأنتيل وأشجار جوز الهند والرمل المخملي. سيذوب في جسد بلاده المحفور ندبا، باعتباره واحدا من مؤسسي عصبة "تيار الزنوجة". سيتمرغ في تراب وطن لم يحد يوما عن معتقداته ومثله الغابرة، غير أنه احتاج سيزير وأمثاله لينفخ فيه نبضا متجددا، ويجعله يستعيد أنفاسه بعد لهاث مديد، في دغل الإجحاف والتسلّط. في لحظة مغادرة سيزير عن الرابعة بعد التسعين، من كان ليرثه أفضل من رفاق العصبة، من أشقاء "تيار الزنوجة" ليون غونتران داماس وبيراغو ديوب وخصوصا الكبير ليوبولد سيدار سنغور، الذي عرفه شابا في "لوي لوغران"، في باريس؟ في ثلاثينات القرن العشرين تآزروا لإنشاء مجلة "الطالب الأسود" حيث شقّ مصطلح "الزنوجة" سبيله الى القواميس، مسوّغة تستلهم مكانة إفريقيا وثقافتها، وتجعل أبناء السحنة، يفقهون أن قارتهم الممقوتة والمحتقرة حاضنة لحضارة زاخرة تستأهل الاعتداد. سيزير وسنغور، إسمان لتاريخ عرق. صحيح أن في الفروق الصغيرة، سمّى سنغور الفرنسية وسيطا حياديا نافعا ولغة "استقامة" في حين أصرّ سيزير على كتابة فرنسية "سوداء"، غير أنهما، في الفحوى، نقّبا معا عن روح كادت أن تتبدد، فجعلاها تهيم في نسق ابتكاري. مكث سيزير عمدةً لمكان يُدعى فور دو فرانس طوال ما يزيد على خمسة عقود، وممثل المارتينيك في الجمعية الوطنية الفرنسية، واستتب، وهذا الأهم، علامة تنوير شعرية ومسرحية وبحثية. في شعره المتطلب المجبول سوريالية، لقّح الفرنسية بتعابير الجزر من دون الاستغاثة بالحدوتة التقليدية أو المناطقية. قالت قصيدته الحسرة والوجع والاحتقار والأخوة أيضا، وجعلته يعبر الى هندوسية أبناء كالكوتا وزنوجة السود في هارلم. جعل الرجل عمله المسرحي "تراجيديا الملك كريستوف" جزءا من ريبرتوار الكوميديا الفرنسية، وطبع الخشبة بعناوين "الكلاب صمتت" و"موسم في الكونغو" وسواها. صدح تحت سقف الجمعية الوطنية في 1949 بـ"خطاب حول الكولونيالية"، ففقأ دمّل استعمار ذهب بالمرء الى درك الانحطاط وأيقظ غرائزه الآسنة. في نبرة ساخطة وقادرة، تحدث سيزير يومذاك عن ترهّل حضاري وعن حضارة غربية تتأكلها الغرغرينا، وكانت تلك بمنزلة إشارات منذرةً بانفلاش "الزنوجة" كحركة إنسانية وتضامنية تضمّ مستضعفي الكرة الأرضية. القلم الزنجي الذي رصده اندره بروتون، يطوّع اللغة الفرنسية مثلما يعجز أبيض عن تطويعها. نُذر "شاعرا سياسيا" على ما عنونت مجلة "ماغازين ليتيرير" أواخر الستينات. وهو اعتنق هذا الوصف في جدية والتزام وفخر، ليجد في الشعر مسحة إيمانية و"سلاحا عجائبيا" ووعيا مسننا يعيد انتظام بوصلة الذاكرة في لحظات التيه. هكذا حصل يوم انغمست فرنسا في محاولة استنباط دور إيجابي للاستعمار المخزي. كان صوت ايمي سيزير الوافد من خبايا الماضي، ليذكّر كم يتعذّر تبرير الغرب أخلاقيا وروحانيا، وليكرّر المرة تلو المرة قيام الغرب على "أرفع كومة من جثث الإنسانية". كيف لا يتكلم، والفتى المولود في باس بوانت في العشرية الثانية من القرن المنصرم في أسرة من الموظفين الصغار، تجرّع مبكرا بؤس شعب موسوم بقرنين من العبودية، كما يوسم كل القطعان في حظائر المستعمرين. أرسل الفتى المتقد الذكاء الى العاصمة الفرنسية ليتابع دراسات عليا ويلتحق بـ"المعهد الوطني للادارة" ويجد بين أقرانه الطلاب حافزا لمقارعة الاستعمار وأوجهها المختلفة. وعندما ألحّت ساعة الرجوع الى المارتينيك، عارض حكومة فيشي ونشر "دفتر عودة الى الوطن الأم"، ديوانه البكر الذي كان أول طلقة رحمة في رأس العنصرية المتعفنة. أراد سيزير امتلاك رقصات أبناء جلده، الرقصات التي تكسر قضبان السجن وتقول بهاء طلعة الزنجي. استشرف الشاعر في "الدفتر" أن فمه سيصير فم المصائب التي لا فم لها، وأن صوته سيغدو حرية أولئك "المرتخين في أقبية القنوط". في الأيام اليسيرة المقبلة، ستهزج الملايين لقد أحببنا ايمي سيزير، وسيسمع انتحاب مواطنيه الفخورين يودّعون "بابا سيزير" كما ينادونه تحببا، وسيلتحق بهم قراء مئتين وثلاث وخمسين قصيدة نظمت بين ثلاثينات القرن العشرين ونهاياته. قال سيزير يوما ان الزنوجة حية طالما بقي زنوج على البسيطة. نستأذنه لنعلن ان الزنوجة حية طالما بقي شعر سيزير. شعر متنه الحواس، شعر الجرح النازف السرمدي.
نـــــــبــــــــوءة
هناك
حيث تظلّ للمغامرة عينان فاتحتان
حيث النساء يلتمعن من فرط اللغة
حيث الموت جميل في اليد كعصفور
كموسم حليبيّ
هناك حيث الجوف يقطف من سجوده
تَرَفَ حدقتين أشدّ عنفاً من يسروع
هناك حيث الدهشة الرشيقة تصنع من كل خشبٍ سهماً وناراً
هناك حيث الليل القوي ينزف سرعة النبات النقيّ
هناك حيث نحلات النجوم
يلسعن سماء قفيرٍ أشدّ احتداماً من الليل
هناك حيث صوت كعبَيّ يملأ الفضاء
ويرفع وجه الزمن في المقلوب
هناك حيث قوس قزح كلماتي
مكلّفةٌ جمع الغد بالأمل والطفل بالملكة
من فرط ما شتمتُ أسيادي وعضضتُ جنود السلطان
من فرط ما تأوهتُ في الصحراء
من فرط ما ناديتُ حرّاسي
من فرط ما رجوت بنات آوى والضباع
رعاة القوافل،
هناك أنظر
الدخان يركض كحصان برّي
وفي مقدمة المشهد الحمم تنسج لحظتها
بذنبها الطاووسي الهشّ
ثم يتمزق القميص
وفجأة ينفتح الصدر
وأراه الصدر جزراً بريطانية
جزراً صغيرة
صخوراً مفتتةً تذوب ببطء في بحر الهواء الواعي
هناك حيث تسبح
كنبوءات
شدقي
تمرّدي
إسمي.
المقدمه بـــ / قلم رلى راشد