عاشق وطن
11-18-2007, 08:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
مرثية القرية الضائعة وما أجمل الولاء ـــ طالب هماش
وآتيكِ يا قريةُ الآن نسراً عجوزاً
يمدُّ جناحيهِ فوقَ هشيرِ الهواءِ،
وينثرُ ريشَ كهولتهِ
في مهبِّ عذابكْ.
وآتيكِ من دكنةِ الليلِ
كيما أنيخَ بكائي ببابكْ!،
وأنُزلَ عن ظهريَ السنواتِ
التي شرَّدتني وراءَ تلالِ الغروبِ
ثلاثينَ مرثيةً عن دياركْ!..
آما آنَ أنْ أتبعَ الغيمَ
خلفَ ضفائركِ السودِ
كيما أسلسلَ خُصْلاتِها كالسنابلِ بين يديَّ؟..
آما آن لي أن أعودَ إلى طفلةٍ
كذّبتها المراجيحَ يوماً
لأربطَ سبعَ شرائطَ خضراءَ
في شعرِها القرويّ،
وأتركها كالأغاني على العشبِ
تتبّعُ طيّارة مِن ورقْ؟!
آما آنَ أنْ أترنّحَ في الريحِ
مثلَ عريشِ الحبقْ؟،
وأسألَ عن ذلكَ الطفل
كي أتأمّلَ آثارَ خطوتِهِ في التُّراب
وأَبحثَ عن ثوب دميتهِ الخشبيةِ
بين بقايا الخرقْ!
آما آن لي أن أعودَ صغيراً على درجِ الدارِ؟،
كي أتسلَّقَ أشجارَ جدّي القديمةْ،
وأبني لروحيَ عشَّاً عليها
فأخلدُ للنومِ..
أجمعُ ضحكَ العصافيرِ
من شجرِ اللوزِ،
أركضُ خلفَ الحساسينِ
كيما أسابقَ خالدْ..
فيسيقنا القمحُ،
تسبقنا قبّراتَ الحواكيرِ..
ما أجملَ القمحَ
حين يصيرُ ممرَّاً لأعمارنا المشتهاة،
ومئذنةً للنواطيرِ!..
ما أجملَ الغيمَ حين يسابقُ أعمارنا
ويطير!..
ركضنا وراءَ الغيومِ إلى أن تعبنا
رأينا على ضفةِ النهرِ نفسَ الصبيةِ
تغسلُ فُستانها في الصباحِ،
وتنشرُ فوقَ حبالِ الغسيلِ
مناديلَ بيضاءَ من سوسنٍ ويمامْ!..
رأينا الصبيةَ تمشي على الماءِ مثل
إوزةِ ثلجٍ على غيمةٍ من هديلٍ حنونٍ!!
دعونَا أنوثتها كالغزالةِ للحبِّ؛
فابتكرَ اللَّوزَ سكّرةً ثم ذابْ.
سألنا الطفولةَ عن اسْمها،
وسألنا صغارَ العصافيرِ.
كانَ لها جسدٌ جارحُ الحزنِ!،
تهدلُ فيهِ حمائمُ مكويّة بالدموعِ،
وقلبٌ يدقُّ كرمّانةِ الشهواتِ
على صدرِ جيتارةٍ في الغروبِ
وحزنُ غمامهْ!!!
تغنّي لأولِ ريحانةٍ
لمستْ روحَهَا بالعبيرِ،
وزهرةُ قطنٍ
تشبُّ إلى صدرها كاليمامةْ!!
كأنَّ الأنوثةَ ماءٌ
يذوبُ على جدولِ الدمعِ
كيما نظلَّ نتوقُ إليهِ
ونتبعه بخناجرِ أحزاننا،
وسيوفِ الندامةْ!!
رأينا الصبيةَ في ضفةِ النهرِ
شاردةً كالحمامةْ!!!
فَرُحْنَا نعمِّرُ أشواقنا للنساءِ،
ونرمي على النهرِ أحجارَ أعمارِنا..
قبلَ أن يتراءى لنا الحزنُ خلفَ الغيومِ
كأيقونةٍ من حنينْ!!
كأني بهم رحلوا مفردينْ!!!
أيا قريةَ الضائعينَ!
حننتُ إليهمْ،
لمحراثِ أحزانِهم في الخريفِ
وهم يبذرونَ دموعَ العتاباتِ في الأرضِ
للصبحِ يفرشُ أهدابَهُ البيضَ
سجّادة للصلاةِ!!
حننتُ لرائحةِ التبغِ بين لحاهمْ،
لدفءِ معاطفهم في الشتاءِ
أنا الآن طفلُ البكاءِ
الكفيفْ!،
فكيفَ سأنسى حكاياتهمْ
فوق سطح المساء،
وقد علّموني بأنَّ الحياةَ رغيفْ؟!!
أيا حادي العيسِ
لا تقرعِ البابَ
قد رحلوا مفردينَ!
أغنّي لهمْ،
ولمن هجروا وقتهمْ
واستحالوا تماثيلَ
كيف استحالوا تماثيلَ
يا قريةَ الضَّائعينَ وأندلسَ الحزنِ؟!!
يا صرخةَ الوعرِ في عتمةِ الليلِ:
ردّوا إليَّ غربتيْ!!
كأني غريبُ الضيِّاعِ،
يتيم الرضاعِ الذي رافقَ القمحَ
نحو دموعِ الرَّياحينِ أولَ مرّةْ..
وضلَّ طريقَ السلامةْ!.
كأنّيَ فرخُ الحمامِ الذي طارَ يوماً
إلى زرقةِ الغيمِ
كي يتأمّلَ أنثى الغيابِ،
وعادَ بطوقِ الحمامةْ!
فأينَ الصبيّ الذي كانَ يركضُ خلفَ الفراشاتِ
من شَجْرةِ الوردِ
حتى أقاصي القرى؟!!
وأين سعادُ التي واعدتني
لتحفظَ درسَ النشيد
وراءَ حقولِ الذرةْ؟؟!!
ترى ما الذي أخّرَ الطفلةَ القرويّةَ؟
هل وجدتْ في الطريقِ حمامةَ أحزانها دون عشٍّ
فراحتْ تربّي جدائلها للخريفِ،
وتبكي برجعٍ حزينٍ على جثّةِ الحبِ
حتى براها النَّزيفْ!!
ترى هل تناهى إليها غناءُ الجبالِ البعيد
فراحتْ مع الطير
ترعى أنوثتها في مهبِّ الحفيفْ؟!!
أنا الضائعُ الأبديَّ
سآتيكِ يا قرية الآن مكتئباً!
لأكرَّرَ كالزمرِ رَجْعَ المواويلِ
في دربِ وحشتكِ المرِّ،
أو أتمايلَ كالغيمِ فوق سفوحِ هضابكْ.
وأسألُ عن شتلةِ الأقحوانِ
التي سرقتها الأناشيدُ من دفترِ النوم يوماً
فصرتُ شهيدَ غيابكْ!!
وأسألُ نفسَ السؤالِ القديمِ
أما زلتِ أمَّاً لتلك الصبيةْ؟
أما زلتِ تنتظرينَ على البابِ عودتها
من شمالِ الحقولِ؟
لأجعلَ أيلولها الدمعَ،
والنرجسَ الإنكسارَ اليتيمَ لأهدابها السودِ!
كانت أقلَّ من الشمسِ حزناً على شاطئِ البحرِ،
أجملَ من نجمةٍ تتأوّهُ في الظلمةِ النائيةْ!.
إذنْ أخبروها:
بأنَّ الحفيفَ الذي هبَّ يوماً
على ردهةِ الروحِ
لا زالَ أجملَ ما بي!،
أنَّ رياحَ الشمالِ التي شرّدتني
غدتْ واهيةْ!!.
أنا الراحلُ اليومَ أنظرُ خلفي
وأشعرُ بالدمعِ!!،
أسمعُ تنويحةَ الحورِ في باحةِ الدارِ!!
أسمعُ حزنَ الجرارِ التي تتأملُ
كأسَ الفراغِ المكسّرَ
أنحلَ جسمي فراقُ الأحبّةِ!!!
أكثرُ من قريةٍ وجدتني وحيداً على الدربِ أبكي!
فتنبحُ بضعُ كلابٍ
على وحشةِ الروحِ
عُدْ من هنا!!
فأصيحُ على الليلِ من سفحِ عمريَ
واضيعتاهُ البعيدةَ
مَنْ؟
(إنَّ هذا أنا)
عدتُ أسألُ عن ورقِ التينِ خلفَ سياجِ الطفولةِ،
عن زكريّا!!
وعن دفتريْ فوق سجّادةِ الصوفِ!!..
عن لحنِ أغنيةٍ جبليّةْ..
سمعتُ تَلامُسَ أجراسها من بعيدٍ،
فجئتُ أنوّمُ روحيْ على راحتيها!
وأسألُ عن اسمِ عاشقةٍ
ضيّعتْ في البساتينِ خاتمَ خطبتها الذهبيَّ
فراحَ يبادلها الصيفُ صوتَ البكاءِ،
وراحَ الحمامُ ينوحُ على بَيْدَرِ القمحِ
حنطتهُ الضائعةْ!!.
فتاةٌ بخصرٍ نحيلْ!!.
بكى الماءُ في حبّها،
وبكاها كتابُ الأناشيدِ
يا بنتُ لا تغسلي الصوفَ
في النبعِ
إني حزينْ!!
سأطعنُ نفسي بقربكِ
خفتُ!!
رأيتُ عصافيرَ من لذّةٍ تتراكضُ
في روحها،
والفراشاتِ تجمعُ من صدرها
عسلَ الياسمينْ!
فتاةٌ بخصرٍ نحيلْ!!..
تردُّ إلى النهرِ زغرودةَ الحبّ،
ثم تراهقُ صوتَ الخريرِ أنوثتُهَا اليانعةْ!.
رأيتُ المياهَ تبلّلُ سيقانها بالدموعِ الغزيرةِ!!..
والموجُ يركضُ تنهيدةً إِثرَ تنهيدةٍ
عند شطّ الغيابِ!
رأيتُ وراءَ البحيرةِ
مملكةَ الطائرِ الطلقِ
مثل إلهٍ من الدّمعِ
يغفو على قدمٍ واحدةْ!!!
تنادي عليهِ:
(أبو سعد)!!
يا ثاكلَ النهرِ خذني لأسرحَ في زرقةِ الحزنِ
مثلَ العروسةِ،
وافردْ جناحينِ من لوعةٍ وعذابْ!!.
(أبو سعدُ) غابَ الأحبّةَ:
مازنَ ما عادَ يسرقُ بطيّخةً
من حقولِ المغيبِ،
ويشردُ في الوعرِ حرَّاً شقيّاً
كأغنيةٍ في كتّابْ!
نزارُ تأخّرَ عن موعدِ الدرسِ
ما عادَ يتبعُ أنثى الصباحِ إلى صفِّها
ليقولَ لها بارتباكٍ:
صباحاً سعيداً
كم السَّاعةُ الآنَ؟
قبّلهَا في شتاءٍ بعيدٍ وتابْ!!
وأما أنا فرحلتُ
أجرُّ الربابةَ خلفي،
وأجمعُ من طرقاتِ الحياةِ دموعَ الهديلْ!
أبا سعد غابَ الأحبّةُ كلُّ الأحبّةِ غابوا!
وغابَ أبو طالبِ المستحيلْ!!
فما عادَ يرفعُ في مَغْرِبِ الفقراءِ
أذانَ العشاءِ،
وما عادَ يرفعُ أطيبَ أصواتهِ ويغنّي
على صخرةِ الليلِ
بُحّتْ ربابتَهُ،
وجفَّ رنينُ أناملهِ الخمسِ
فوقَ الرسائلِ
ماذا أصابَ الحياةْ؟!
أيا قريةَ الضائعينَ،
وأندلسَ الذكرياتْ؟!.
سمعنا عتاباتَهَ تتنهّدَ قبلَ الغروبِ
مكسّرة كسيوفِ الرحيلِ
فماذا أصابَ الحياة؟!
لما تُسقطونَ حمائمكمْ قربَ ذاكرتيْ
يا حداةْ؟!!،
وترمونَ قلبيْ على قمرٍ
في أقاصي النخيلْ!!
لماذا تنامونَ قبلَ انتهاءِ الحكايةِ
لا تتركوني جريحاً بغربتكمْ
وخذوني إلى قريةٍ من هلاكْ!
أبى إنْ قلبي يراكْ
تدبُّ على الغيمِ
مثلَ هلالٍ من الحزنِ
والمشرقُ الأبديُّ يردِّدَ من شرفةِ الصبحِ
رَجْعَ غناكْ!!..
حزيناً كضلعِ الأمومةِ،
كهلاً كقوسِ الربابةِ،
طفلاً يغازلَ باللوزِ وهمَ الملاكْ.
أما كنتَ تعرفُ أن (أبو سعدَ)
يولدُ مثلَ دموعِ الأغاني
من الناي!!
يولدَ من شهوةٍ في أسايْ!!!!
أنا الراحلُ اليومَ
يعبرُ رفُّ الحمامِ فأبكي!!،
وتذهبُ بضعُ صبَايَا إلى عرسهنَّ
فتنشق من صدريَ المتنهّدِ مئذنةً للزغاريدِ،
يهتزُّ غصنُ صبايْ..
فكيفَ سأتركُ كلَّ صبايا الغناءِ
يملنَ مع الزمرِ ذاتَ اليمينِ
وذات الشمالِ
ولا أتأمّل ثوبَ الزفافِ
الذي راحَ يهدلُ حرَّاً على شجرِ
العرسِ؟!!
فالآنَ تقطرُ أرواحهنَّ عبيراً على
شفةِ الروحِ!!
يا زَمْرُ
ميّلْ صبايا الجنوبِ مع اللحنِ
حتى يذبنَ وموِّلْ!!
وموّتْ بصوتكَ كالريحِ حتى أتوبْ!
ويا ليلُ ليّلْ!!!
ويا نايُ حلّقْ وراءَ الزغاريدِ
إن سعادَ تزغردُ في ظاهرِ الشامِ
رافعةً روحها كهلالٍ على شجرِ الرقصِ
يعبرُ رفُّ الزرازيرِ قامتها
ويميلُ على النهرِ
"يطلقُ خالدُ من بندقيتهِ"
طلقةَ العشقِ في جسدِ الليلِ
كلُّ صدورِ الصبايا
يعذّبها الذهبُ الغجريُّ
وكلُّ الخصورِ مجرّحة بالغناءِ العراقيّ
أينَ ستذهبُ يا قلبُ أينْ؟!!
سندبكُ حتى الصباحِ
ندورُ بلا أيّ معنى سوى العشقِ،
والانتقام من العمرِ
كنا ندورُ على بعضنا في انسجامٍ
وحين تصيرُ سعادُ أمامي
أقولُ أحبكِ يا قرويةُ!!،
رُدِّي سلامي!
وأقرصها كالشقيِّ..
قرصتُ سعادَ اليتيمةَ بالحبِّ
لكنني منذ ذاكَ الزمان
عرفتُ بأنَّ الحبيبةَ ليستْ سوى
نقراتِ الضياعِ على وترِ الروحِ!،
والانتحابِ المَريرِ
لحبٍّ فقدناهُ!!
ليستْ سوى همساتِ القصيدةِ
قبل وصولِ الصدى للأواهِ!!..
وتفاحةٍ ساقطةْ
من غصونِ الحياةْ.
وأنّ عيونَ النساءِ الجميلةَ
أسماؤنا الضائعةْ
في المتاه،
وخوخُ الحياةِ الأحبّْ.
عرفتُ بأنَّ العروسةَ
أولُ زغرودةٍ
أطلقتها القرى باتجاهِ العنبْ!!..
لتخطبَ ودَّ النواطير،
أنّ سعادَ تَنَهُّدُ رفِّ الحمامِ
الذي لا يزوّجُ إلا حنينَ البيوتِ
إلى أهلها،
ويطيرُ على شَجَرِ العمرِ
مثل ملاكِ التعبْ!.
فقلتُ أحبكِ يا قرويةُ
لكنهُ الحزنُ!!..
تأخذُ بالرقصِ
ترفعُ عازفَ نايٍ على كتفيها
وترقصُ مثلَ طيورِ الليالي على
سَهَرِ الصيفِ
تعلو يدَاها إلى ذروةِ الرجزِ المغربيِّ
ملوّحةً بالمناديل..
مالَ على جسمها الزمرُ،
والطبلُ يركضُ خلفَ المواويل..
لفّتْ محارمَ حُبِّيْ على خصرها
ثُمَّ راحت تحلِّقُ مثلَ الأغاني
أواهٍ لقد أُقفلَ العرسُ أبوابَهُ!!!
يذهبُ الناسُ للبيتِ..
والعاشقونَ إلى كوخ أيلولَ..
كلُّ البناتِ ذهبنَ إلى الحبِّ
كلُّ البناتِ!!
ولم تبقَ إلا شرائطَ عرسٍ وموقدُ نارٍ وطالبْ!!
نحدّقُ في الليلِ مثلَ بكاءِ
الثعالبْ!!
وينتبهُ القلبُ
يا عازفَ الزمرِ أين سعادَ؟!!!!
-لقد حلّقتْ في الأعالي كثيراً
وغابتْ على درجِ النومِ
وا أسفاه!!
-أعدها إليَّ بحقِّ الطفولةِ!
-ما عادَ صوتي ليرجعها من دجى الليلِ
-أينَ هيَ الآن؟
-أبصرتُهَا آخرَ العرسِ
ترقصُ مثلُ الحمامةِ في طرفِ الغيمِ
بيضاءَ بيضاءَ..
ناديتها يا سعادُ ارجعي!!
لم تُجبنيْ
أواهِ كأنَّ النساءَ مرايا
نحدّقُ فيها لنبصرَ أحوال أرواحنا
في الخريفِ!!،
لنبصرَ أوراقَ صفرتنا تتساقطُ من شَجَرِ التوتِ
كالذكرياتِ،
فكلَّ النساءِ يَرُحْنَ مع النهرِ يوماً،
ويرجعنَ مثل الجرارِ
على شارعِ الصيفِ!
ضاعتْ سعادُ!!!
وضاعتْ بناتُ الطفولةِ كلُّ البناتْ!!!
وظلَّ (أبو سعدُ)
مثلُ غريبٍ عن الدارِ
يغفو على قدمٍ واحدةْ،
ويردّدُ ماذا أصابَ الحياةْ؟!
أيا قريةَ الضائعينَ
وأندلسَ الذكرياتْ؟!!.
* أبو سعد: طائر اللقلق
* خالد، زكريا –مازن- نزار أصدقاء الطفولة.
* أبو طالب: والد الشاعر
مرثية القرية الضائعة وما أجمل الولاء ـــ طالب هماش
وآتيكِ يا قريةُ الآن نسراً عجوزاً
يمدُّ جناحيهِ فوقَ هشيرِ الهواءِ،
وينثرُ ريشَ كهولتهِ
في مهبِّ عذابكْ.
وآتيكِ من دكنةِ الليلِ
كيما أنيخَ بكائي ببابكْ!،
وأنُزلَ عن ظهريَ السنواتِ
التي شرَّدتني وراءَ تلالِ الغروبِ
ثلاثينَ مرثيةً عن دياركْ!..
آما آنَ أنْ أتبعَ الغيمَ
خلفَ ضفائركِ السودِ
كيما أسلسلَ خُصْلاتِها كالسنابلِ بين يديَّ؟..
آما آن لي أن أعودَ إلى طفلةٍ
كذّبتها المراجيحَ يوماً
لأربطَ سبعَ شرائطَ خضراءَ
في شعرِها القرويّ،
وأتركها كالأغاني على العشبِ
تتبّعُ طيّارة مِن ورقْ؟!
آما آنَ أنْ أترنّحَ في الريحِ
مثلَ عريشِ الحبقْ؟،
وأسألَ عن ذلكَ الطفل
كي أتأمّلَ آثارَ خطوتِهِ في التُّراب
وأَبحثَ عن ثوب دميتهِ الخشبيةِ
بين بقايا الخرقْ!
آما آن لي أن أعودَ صغيراً على درجِ الدارِ؟،
كي أتسلَّقَ أشجارَ جدّي القديمةْ،
وأبني لروحيَ عشَّاً عليها
فأخلدُ للنومِ..
أجمعُ ضحكَ العصافيرِ
من شجرِ اللوزِ،
أركضُ خلفَ الحساسينِ
كيما أسابقَ خالدْ..
فيسيقنا القمحُ،
تسبقنا قبّراتَ الحواكيرِ..
ما أجملَ القمحَ
حين يصيرُ ممرَّاً لأعمارنا المشتهاة،
ومئذنةً للنواطيرِ!..
ما أجملَ الغيمَ حين يسابقُ أعمارنا
ويطير!..
ركضنا وراءَ الغيومِ إلى أن تعبنا
رأينا على ضفةِ النهرِ نفسَ الصبيةِ
تغسلُ فُستانها في الصباحِ،
وتنشرُ فوقَ حبالِ الغسيلِ
مناديلَ بيضاءَ من سوسنٍ ويمامْ!..
رأينا الصبيةَ تمشي على الماءِ مثل
إوزةِ ثلجٍ على غيمةٍ من هديلٍ حنونٍ!!
دعونَا أنوثتها كالغزالةِ للحبِّ؛
فابتكرَ اللَّوزَ سكّرةً ثم ذابْ.
سألنا الطفولةَ عن اسْمها،
وسألنا صغارَ العصافيرِ.
كانَ لها جسدٌ جارحُ الحزنِ!،
تهدلُ فيهِ حمائمُ مكويّة بالدموعِ،
وقلبٌ يدقُّ كرمّانةِ الشهواتِ
على صدرِ جيتارةٍ في الغروبِ
وحزنُ غمامهْ!!!
تغنّي لأولِ ريحانةٍ
لمستْ روحَهَا بالعبيرِ،
وزهرةُ قطنٍ
تشبُّ إلى صدرها كاليمامةْ!!
كأنَّ الأنوثةَ ماءٌ
يذوبُ على جدولِ الدمعِ
كيما نظلَّ نتوقُ إليهِ
ونتبعه بخناجرِ أحزاننا،
وسيوفِ الندامةْ!!
رأينا الصبيةَ في ضفةِ النهرِ
شاردةً كالحمامةْ!!!
فَرُحْنَا نعمِّرُ أشواقنا للنساءِ،
ونرمي على النهرِ أحجارَ أعمارِنا..
قبلَ أن يتراءى لنا الحزنُ خلفَ الغيومِ
كأيقونةٍ من حنينْ!!
كأني بهم رحلوا مفردينْ!!!
أيا قريةَ الضائعينَ!
حننتُ إليهمْ،
لمحراثِ أحزانِهم في الخريفِ
وهم يبذرونَ دموعَ العتاباتِ في الأرضِ
للصبحِ يفرشُ أهدابَهُ البيضَ
سجّادة للصلاةِ!!
حننتُ لرائحةِ التبغِ بين لحاهمْ،
لدفءِ معاطفهم في الشتاءِ
أنا الآن طفلُ البكاءِ
الكفيفْ!،
فكيفَ سأنسى حكاياتهمْ
فوق سطح المساء،
وقد علّموني بأنَّ الحياةَ رغيفْ؟!!
أيا حادي العيسِ
لا تقرعِ البابَ
قد رحلوا مفردينَ!
أغنّي لهمْ،
ولمن هجروا وقتهمْ
واستحالوا تماثيلَ
كيف استحالوا تماثيلَ
يا قريةَ الضَّائعينَ وأندلسَ الحزنِ؟!!
يا صرخةَ الوعرِ في عتمةِ الليلِ:
ردّوا إليَّ غربتيْ!!
كأني غريبُ الضيِّاعِ،
يتيم الرضاعِ الذي رافقَ القمحَ
نحو دموعِ الرَّياحينِ أولَ مرّةْ..
وضلَّ طريقَ السلامةْ!.
كأنّيَ فرخُ الحمامِ الذي طارَ يوماً
إلى زرقةِ الغيمِ
كي يتأمّلَ أنثى الغيابِ،
وعادَ بطوقِ الحمامةْ!
فأينَ الصبيّ الذي كانَ يركضُ خلفَ الفراشاتِ
من شَجْرةِ الوردِ
حتى أقاصي القرى؟!!
وأين سعادُ التي واعدتني
لتحفظَ درسَ النشيد
وراءَ حقولِ الذرةْ؟؟!!
ترى ما الذي أخّرَ الطفلةَ القرويّةَ؟
هل وجدتْ في الطريقِ حمامةَ أحزانها دون عشٍّ
فراحتْ تربّي جدائلها للخريفِ،
وتبكي برجعٍ حزينٍ على جثّةِ الحبِ
حتى براها النَّزيفْ!!
ترى هل تناهى إليها غناءُ الجبالِ البعيد
فراحتْ مع الطير
ترعى أنوثتها في مهبِّ الحفيفْ؟!!
أنا الضائعُ الأبديَّ
سآتيكِ يا قرية الآن مكتئباً!
لأكرَّرَ كالزمرِ رَجْعَ المواويلِ
في دربِ وحشتكِ المرِّ،
أو أتمايلَ كالغيمِ فوق سفوحِ هضابكْ.
وأسألُ عن شتلةِ الأقحوانِ
التي سرقتها الأناشيدُ من دفترِ النوم يوماً
فصرتُ شهيدَ غيابكْ!!
وأسألُ نفسَ السؤالِ القديمِ
أما زلتِ أمَّاً لتلك الصبيةْ؟
أما زلتِ تنتظرينَ على البابِ عودتها
من شمالِ الحقولِ؟
لأجعلَ أيلولها الدمعَ،
والنرجسَ الإنكسارَ اليتيمَ لأهدابها السودِ!
كانت أقلَّ من الشمسِ حزناً على شاطئِ البحرِ،
أجملَ من نجمةٍ تتأوّهُ في الظلمةِ النائيةْ!.
إذنْ أخبروها:
بأنَّ الحفيفَ الذي هبَّ يوماً
على ردهةِ الروحِ
لا زالَ أجملَ ما بي!،
أنَّ رياحَ الشمالِ التي شرّدتني
غدتْ واهيةْ!!.
أنا الراحلُ اليومَ أنظرُ خلفي
وأشعرُ بالدمعِ!!،
أسمعُ تنويحةَ الحورِ في باحةِ الدارِ!!
أسمعُ حزنَ الجرارِ التي تتأملُ
كأسَ الفراغِ المكسّرَ
أنحلَ جسمي فراقُ الأحبّةِ!!!
أكثرُ من قريةٍ وجدتني وحيداً على الدربِ أبكي!
فتنبحُ بضعُ كلابٍ
على وحشةِ الروحِ
عُدْ من هنا!!
فأصيحُ على الليلِ من سفحِ عمريَ
واضيعتاهُ البعيدةَ
مَنْ؟
(إنَّ هذا أنا)
عدتُ أسألُ عن ورقِ التينِ خلفَ سياجِ الطفولةِ،
عن زكريّا!!
وعن دفتريْ فوق سجّادةِ الصوفِ!!..
عن لحنِ أغنيةٍ جبليّةْ..
سمعتُ تَلامُسَ أجراسها من بعيدٍ،
فجئتُ أنوّمُ روحيْ على راحتيها!
وأسألُ عن اسمِ عاشقةٍ
ضيّعتْ في البساتينِ خاتمَ خطبتها الذهبيَّ
فراحَ يبادلها الصيفُ صوتَ البكاءِ،
وراحَ الحمامُ ينوحُ على بَيْدَرِ القمحِ
حنطتهُ الضائعةْ!!.
فتاةٌ بخصرٍ نحيلْ!!.
بكى الماءُ في حبّها،
وبكاها كتابُ الأناشيدِ
يا بنتُ لا تغسلي الصوفَ
في النبعِ
إني حزينْ!!
سأطعنُ نفسي بقربكِ
خفتُ!!
رأيتُ عصافيرَ من لذّةٍ تتراكضُ
في روحها،
والفراشاتِ تجمعُ من صدرها
عسلَ الياسمينْ!
فتاةٌ بخصرٍ نحيلْ!!..
تردُّ إلى النهرِ زغرودةَ الحبّ،
ثم تراهقُ صوتَ الخريرِ أنوثتُهَا اليانعةْ!.
رأيتُ المياهَ تبلّلُ سيقانها بالدموعِ الغزيرةِ!!..
والموجُ يركضُ تنهيدةً إِثرَ تنهيدةٍ
عند شطّ الغيابِ!
رأيتُ وراءَ البحيرةِ
مملكةَ الطائرِ الطلقِ
مثل إلهٍ من الدّمعِ
يغفو على قدمٍ واحدةْ!!!
تنادي عليهِ:
(أبو سعد)!!
يا ثاكلَ النهرِ خذني لأسرحَ في زرقةِ الحزنِ
مثلَ العروسةِ،
وافردْ جناحينِ من لوعةٍ وعذابْ!!.
(أبو سعدُ) غابَ الأحبّةَ:
مازنَ ما عادَ يسرقُ بطيّخةً
من حقولِ المغيبِ،
ويشردُ في الوعرِ حرَّاً شقيّاً
كأغنيةٍ في كتّابْ!
نزارُ تأخّرَ عن موعدِ الدرسِ
ما عادَ يتبعُ أنثى الصباحِ إلى صفِّها
ليقولَ لها بارتباكٍ:
صباحاً سعيداً
كم السَّاعةُ الآنَ؟
قبّلهَا في شتاءٍ بعيدٍ وتابْ!!
وأما أنا فرحلتُ
أجرُّ الربابةَ خلفي،
وأجمعُ من طرقاتِ الحياةِ دموعَ الهديلْ!
أبا سعد غابَ الأحبّةُ كلُّ الأحبّةِ غابوا!
وغابَ أبو طالبِ المستحيلْ!!
فما عادَ يرفعُ في مَغْرِبِ الفقراءِ
أذانَ العشاءِ،
وما عادَ يرفعُ أطيبَ أصواتهِ ويغنّي
على صخرةِ الليلِ
بُحّتْ ربابتَهُ،
وجفَّ رنينُ أناملهِ الخمسِ
فوقَ الرسائلِ
ماذا أصابَ الحياةْ؟!
أيا قريةَ الضائعينَ،
وأندلسَ الذكرياتْ؟!.
سمعنا عتاباتَهَ تتنهّدَ قبلَ الغروبِ
مكسّرة كسيوفِ الرحيلِ
فماذا أصابَ الحياة؟!
لما تُسقطونَ حمائمكمْ قربَ ذاكرتيْ
يا حداةْ؟!!،
وترمونَ قلبيْ على قمرٍ
في أقاصي النخيلْ!!
لماذا تنامونَ قبلَ انتهاءِ الحكايةِ
لا تتركوني جريحاً بغربتكمْ
وخذوني إلى قريةٍ من هلاكْ!
أبى إنْ قلبي يراكْ
تدبُّ على الغيمِ
مثلَ هلالٍ من الحزنِ
والمشرقُ الأبديُّ يردِّدَ من شرفةِ الصبحِ
رَجْعَ غناكْ!!..
حزيناً كضلعِ الأمومةِ،
كهلاً كقوسِ الربابةِ،
طفلاً يغازلَ باللوزِ وهمَ الملاكْ.
أما كنتَ تعرفُ أن (أبو سعدَ)
يولدُ مثلَ دموعِ الأغاني
من الناي!!
يولدَ من شهوةٍ في أسايْ!!!!
أنا الراحلُ اليومَ
يعبرُ رفُّ الحمامِ فأبكي!!،
وتذهبُ بضعُ صبَايَا إلى عرسهنَّ
فتنشق من صدريَ المتنهّدِ مئذنةً للزغاريدِ،
يهتزُّ غصنُ صبايْ..
فكيفَ سأتركُ كلَّ صبايا الغناءِ
يملنَ مع الزمرِ ذاتَ اليمينِ
وذات الشمالِ
ولا أتأمّل ثوبَ الزفافِ
الذي راحَ يهدلُ حرَّاً على شجرِ
العرسِ؟!!
فالآنَ تقطرُ أرواحهنَّ عبيراً على
شفةِ الروحِ!!
يا زَمْرُ
ميّلْ صبايا الجنوبِ مع اللحنِ
حتى يذبنَ وموِّلْ!!
وموّتْ بصوتكَ كالريحِ حتى أتوبْ!
ويا ليلُ ليّلْ!!!
ويا نايُ حلّقْ وراءَ الزغاريدِ
إن سعادَ تزغردُ في ظاهرِ الشامِ
رافعةً روحها كهلالٍ على شجرِ الرقصِ
يعبرُ رفُّ الزرازيرِ قامتها
ويميلُ على النهرِ
"يطلقُ خالدُ من بندقيتهِ"
طلقةَ العشقِ في جسدِ الليلِ
كلُّ صدورِ الصبايا
يعذّبها الذهبُ الغجريُّ
وكلُّ الخصورِ مجرّحة بالغناءِ العراقيّ
أينَ ستذهبُ يا قلبُ أينْ؟!!
سندبكُ حتى الصباحِ
ندورُ بلا أيّ معنى سوى العشقِ،
والانتقام من العمرِ
كنا ندورُ على بعضنا في انسجامٍ
وحين تصيرُ سعادُ أمامي
أقولُ أحبكِ يا قرويةُ!!،
رُدِّي سلامي!
وأقرصها كالشقيِّ..
قرصتُ سعادَ اليتيمةَ بالحبِّ
لكنني منذ ذاكَ الزمان
عرفتُ بأنَّ الحبيبةَ ليستْ سوى
نقراتِ الضياعِ على وترِ الروحِ!،
والانتحابِ المَريرِ
لحبٍّ فقدناهُ!!
ليستْ سوى همساتِ القصيدةِ
قبل وصولِ الصدى للأواهِ!!..
وتفاحةٍ ساقطةْ
من غصونِ الحياةْ.
وأنّ عيونَ النساءِ الجميلةَ
أسماؤنا الضائعةْ
في المتاه،
وخوخُ الحياةِ الأحبّْ.
عرفتُ بأنَّ العروسةَ
أولُ زغرودةٍ
أطلقتها القرى باتجاهِ العنبْ!!..
لتخطبَ ودَّ النواطير،
أنّ سعادَ تَنَهُّدُ رفِّ الحمامِ
الذي لا يزوّجُ إلا حنينَ البيوتِ
إلى أهلها،
ويطيرُ على شَجَرِ العمرِ
مثل ملاكِ التعبْ!.
فقلتُ أحبكِ يا قرويةُ
لكنهُ الحزنُ!!..
تأخذُ بالرقصِ
ترفعُ عازفَ نايٍ على كتفيها
وترقصُ مثلَ طيورِ الليالي على
سَهَرِ الصيفِ
تعلو يدَاها إلى ذروةِ الرجزِ المغربيِّ
ملوّحةً بالمناديل..
مالَ على جسمها الزمرُ،
والطبلُ يركضُ خلفَ المواويل..
لفّتْ محارمَ حُبِّيْ على خصرها
ثُمَّ راحت تحلِّقُ مثلَ الأغاني
أواهٍ لقد أُقفلَ العرسُ أبوابَهُ!!!
يذهبُ الناسُ للبيتِ..
والعاشقونَ إلى كوخ أيلولَ..
كلُّ البناتِ ذهبنَ إلى الحبِّ
كلُّ البناتِ!!
ولم تبقَ إلا شرائطَ عرسٍ وموقدُ نارٍ وطالبْ!!
نحدّقُ في الليلِ مثلَ بكاءِ
الثعالبْ!!
وينتبهُ القلبُ
يا عازفَ الزمرِ أين سعادَ؟!!!!
-لقد حلّقتْ في الأعالي كثيراً
وغابتْ على درجِ النومِ
وا أسفاه!!
-أعدها إليَّ بحقِّ الطفولةِ!
-ما عادَ صوتي ليرجعها من دجى الليلِ
-أينَ هيَ الآن؟
-أبصرتُهَا آخرَ العرسِ
ترقصُ مثلُ الحمامةِ في طرفِ الغيمِ
بيضاءَ بيضاءَ..
ناديتها يا سعادُ ارجعي!!
لم تُجبنيْ
أواهِ كأنَّ النساءَ مرايا
نحدّقُ فيها لنبصرَ أحوال أرواحنا
في الخريفِ!!،
لنبصرَ أوراقَ صفرتنا تتساقطُ من شَجَرِ التوتِ
كالذكرياتِ،
فكلَّ النساءِ يَرُحْنَ مع النهرِ يوماً،
ويرجعنَ مثل الجرارِ
على شارعِ الصيفِ!
ضاعتْ سعادُ!!!
وضاعتْ بناتُ الطفولةِ كلُّ البناتْ!!!
وظلَّ (أبو سعدُ)
مثلُ غريبٍ عن الدارِ
يغفو على قدمٍ واحدةْ،
ويردّدُ ماذا أصابَ الحياةْ؟!
أيا قريةَ الضائعينَ
وأندلسَ الذكرياتْ؟!!.
* أبو سعد: طائر اللقلق
* خالد، زكريا –مازن- نزار أصدقاء الطفولة.
* أبو طالب: والد الشاعر