عاشق وطن
01-27-2008, 10:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
لتكن هذه مساحة لنا لنخلد بها القصص القصيره والمفيده لتكن مكتبة متكامكلة من القصص سأستهلها واتمنى ان تحضى الفكره على رضاكم وليس بالشرط اكثر من قصة بنفس الموضوع ولكن لتكن القصص القصيره
القاضي والكلب واللحم
يوجد على الطاولة التي يجلس إليها القاضي صحن من اللحم النتن. خلف الكرسي نافذة مغلقة تغطيها ستارة سميكة صفراء. حينما يدخل أحد الشهود يجعله القاضي يقسم اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أشهد بالحق، ولا شيء غير الحق". ويضطر كل من في القاعة للوقوف أثناء حلف اليمين إجلالاً لاسم الله العظيم.
لم يشهد أحد صحن اللحم النتن. الغريب أن أحداً لم يشم رائحة العفونة الواخزة. يدخل المحامون والمتداعون ويجلس كاتب المحكمة الى جانب القاضي. ثمة فطنة غريبة هنا. فلا أحد يطلب فتح النافذة، ربما بسبب قوة الحدس بوجود كلب باسط ذراعيه على افريزها العريض القذر. وإذا كان ثمة شخصٌ سليمُ عملِ الأنف أو العين، لطلب على الفور فتح النافذة، ورمى الصحن بعيدا. لكن النافذة يجب أن تبقى مغلقة. ليس من اللائق البتة رؤية كلب ينهش لحماً على طاولة قاض.
* * *
وجوه الصبية الثلاثة
لوهلة، بدوا في نعيم أبديّ. ثلاثة صبية أخفت ابتساماتهم المترافقة وجوهاً خلتها الشكل الأكمل لأعذب أمنية.
كانوا يتّقون برداً مفاجئاً، حلّ عصر يوم في أواخر شهر نيسان، بملاءة واحدة وست أيادٍ تتعارك بمرح بجذبها كلٌّ فوق وجهه.
كان باب الحجرة الطينية واسعاً ومفتوحاً. نادى رجل امرأة: احملي الثياب عن الحبل؛ تكاد تمطر. لكأن البرد شيء لطيف، ولا يمكنه التسبب بسوء.
نظروا معاً إليَّ، وأنا على العتبة الحجرية أهمّ بوداعهم، راجياً من نفسي القدرة أن يحمل وجهي شيئاً من السلام الهادئ في وجوههم.
* * *
شكل الصوت
بصوت خفيف خفيض، يشبه همساً أو نغماً مستمراً متواصلاً، تتالى هطول المطر
طوال الليل من دون انقطاع، ومن دون تغيّر ظاهر. ذكّره تتابع الصوت بالهيئة ذاتها التي أصغى فيها إلى مطوّلات باخ على التشيلو، ثم رأى شبهاً آخر بين أسلوب صوت المطر الهاطل وأنفاس الكمان والفلوت لدى موزار. تنقل حسّه بين الثبات البطيء المتناغم، والتوحد الناصع الغزير؛ كلاهما تدفق بيسر إلى قلبه، وأحس بامتلاء عذب غريب يغمر كيانه الصامت!
مكث الشاب، في ضياء مصباح أبيض، ينصت وينصت!
لم ير الشارع المبتل، ولا أحس برغبة الوقوف أو السير مشياً تحت المطر. تخيّل شرفات مبتلة، وأوراق شجرة لوز مبتلة، ودوائر ضوء ملوّنة رطبة حول قناديل منزل بعيد.
* * *
الخوف والكلمات
- ماذا تفعل هذه الأيام؟
- أحوّل خوفي إلى كلمات.
- ما نفع الكلمات؛ في العالم المزيد منها!
- الكلمات قليلة بالنسبة إلى الخوف، قليلة وفقيرة.
- أليس من الأجدى أن تحوّل خوفك عملاً يبيد خوفك؟
- ما نفع الأعمال؛ في العالم المزيد منها!
- العمل معدن الروح. كأنك لا تحتمل روحك؟!
- روحي كلمة، الكلمة عمل. لا فرق.
* * *
معرض الطالبات ومنظر زهرة
بطء تلقّي زهرة الياسمين لهواء الظهيرة وضوئها لا يشابه تباطؤ طالبات المدينة الجامعية. فلدى الطالبات ميل الى العرض والإظهار، حاجة نفسية لكسب نظرات العابر ولفت انتباهه. وهي على الأرجح حاجة جوفاء تجلب الكثير من طرق الادعاء والزيف، فيما سكينة بتلات الياسمين، بياضها المنعش العاري، ثباتها الواهي واستسلامها الوديع، تميل إلى التعانق والاستخباء مكتفية بكونها على ما هي عليه.
إحدى الطالبات داعبت قطاً سميناً، انحنت فوق ظلها وبدا صغر حجم صدرها. كيف يمكن العقل البشري الاستفادة من منظر محتال كهذا! لماذا يترافق الحزن مع البطء، أيهما يسبب الآخر ويستدعيه؟ تقول أختي، وقد عكّرت الشقيقة أيامها، إن البطء سمة الهدوء الظاهرة؛ فالهدوء بمعناه الأدق هو الشعور العميق والقوي بأن البطء كالحلم أساس كل عمل دقيق. من الأجمل، لعاطل عن العمل مثلي، الابتهاج بمراقبة حذرة ومتأنية لحال الزهرة؛ فهي تهب طاقة أنبل وأعف لإعانتي على تحمّل إهانات كل يوم. الطالبات اجتزن محيط عيني، ومن الأفضل الآن نسيان أمرهن.
* * *
سطح بيت طينيّ
كل شيء هادئ، صامت، وحيّ، كحركة نسغ في خيط عشب. تخيل الشاب المريض أشياء لم يرها من قبل، فآثر، بعد عناء، وصفها بالعذوبة والانسياب. لم يشأ الرضوخ إلى ما آلت حاله من سوء وضعف. قال، مطلاً بنظره على سطح بيت طيني: ما لا يُرى لا جدوى منه.
التمعت أعواد التبن القصيرة، إذ تركت الشمس ضياءها ينسرب خلال تشققات الطين الرخو. يا لها من صورة تكثف جهد السماء على وجه البيت! يا لجمال السطح يمتص الفضاء! سطح، ذو غضون كثيرة، أغراه بإطالة النظر. جففت حرارة النهار رطوبة رذاذ الليل، وظللت حمامة خيط عشب، نقرت منبته الضئيل، ثم اختفت. أغمض المريض عينيه على تلك الصورة: أنا مغزوّ بعينيّ. عيناي أتلفتا عقلي! أنا مغرم بسطح البيت الطينيّ، بالحمامة اختفت للتو، بخيط العشب نقرته الحمامة. ما أنا سوى كائن سطحيّ، لا عمر لي ولا صفة. كيف لي الوثوق بكل ما أراه؟ وماذا إذا كنت سطح البيت نفسه؟ وماذا إذا لم أكن سوى حرارة الشمس؟ وماذا إذا تبخرت كرذاذ الليلة الماضية؟!
صادق الود
لتكن هذه مساحة لنا لنخلد بها القصص القصيره والمفيده لتكن مكتبة متكامكلة من القصص سأستهلها واتمنى ان تحضى الفكره على رضاكم وليس بالشرط اكثر من قصة بنفس الموضوع ولكن لتكن القصص القصيره
القاضي والكلب واللحم
يوجد على الطاولة التي يجلس إليها القاضي صحن من اللحم النتن. خلف الكرسي نافذة مغلقة تغطيها ستارة سميكة صفراء. حينما يدخل أحد الشهود يجعله القاضي يقسم اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أشهد بالحق، ولا شيء غير الحق". ويضطر كل من في القاعة للوقوف أثناء حلف اليمين إجلالاً لاسم الله العظيم.
لم يشهد أحد صحن اللحم النتن. الغريب أن أحداً لم يشم رائحة العفونة الواخزة. يدخل المحامون والمتداعون ويجلس كاتب المحكمة الى جانب القاضي. ثمة فطنة غريبة هنا. فلا أحد يطلب فتح النافذة، ربما بسبب قوة الحدس بوجود كلب باسط ذراعيه على افريزها العريض القذر. وإذا كان ثمة شخصٌ سليمُ عملِ الأنف أو العين، لطلب على الفور فتح النافذة، ورمى الصحن بعيدا. لكن النافذة يجب أن تبقى مغلقة. ليس من اللائق البتة رؤية كلب ينهش لحماً على طاولة قاض.
* * *
وجوه الصبية الثلاثة
لوهلة، بدوا في نعيم أبديّ. ثلاثة صبية أخفت ابتساماتهم المترافقة وجوهاً خلتها الشكل الأكمل لأعذب أمنية.
كانوا يتّقون برداً مفاجئاً، حلّ عصر يوم في أواخر شهر نيسان، بملاءة واحدة وست أيادٍ تتعارك بمرح بجذبها كلٌّ فوق وجهه.
كان باب الحجرة الطينية واسعاً ومفتوحاً. نادى رجل امرأة: احملي الثياب عن الحبل؛ تكاد تمطر. لكأن البرد شيء لطيف، ولا يمكنه التسبب بسوء.
نظروا معاً إليَّ، وأنا على العتبة الحجرية أهمّ بوداعهم، راجياً من نفسي القدرة أن يحمل وجهي شيئاً من السلام الهادئ في وجوههم.
* * *
شكل الصوت
بصوت خفيف خفيض، يشبه همساً أو نغماً مستمراً متواصلاً، تتالى هطول المطر
طوال الليل من دون انقطاع، ومن دون تغيّر ظاهر. ذكّره تتابع الصوت بالهيئة ذاتها التي أصغى فيها إلى مطوّلات باخ على التشيلو، ثم رأى شبهاً آخر بين أسلوب صوت المطر الهاطل وأنفاس الكمان والفلوت لدى موزار. تنقل حسّه بين الثبات البطيء المتناغم، والتوحد الناصع الغزير؛ كلاهما تدفق بيسر إلى قلبه، وأحس بامتلاء عذب غريب يغمر كيانه الصامت!
مكث الشاب، في ضياء مصباح أبيض، ينصت وينصت!
لم ير الشارع المبتل، ولا أحس برغبة الوقوف أو السير مشياً تحت المطر. تخيّل شرفات مبتلة، وأوراق شجرة لوز مبتلة، ودوائر ضوء ملوّنة رطبة حول قناديل منزل بعيد.
* * *
الخوف والكلمات
- ماذا تفعل هذه الأيام؟
- أحوّل خوفي إلى كلمات.
- ما نفع الكلمات؛ في العالم المزيد منها!
- الكلمات قليلة بالنسبة إلى الخوف، قليلة وفقيرة.
- أليس من الأجدى أن تحوّل خوفك عملاً يبيد خوفك؟
- ما نفع الأعمال؛ في العالم المزيد منها!
- العمل معدن الروح. كأنك لا تحتمل روحك؟!
- روحي كلمة، الكلمة عمل. لا فرق.
* * *
معرض الطالبات ومنظر زهرة
بطء تلقّي زهرة الياسمين لهواء الظهيرة وضوئها لا يشابه تباطؤ طالبات المدينة الجامعية. فلدى الطالبات ميل الى العرض والإظهار، حاجة نفسية لكسب نظرات العابر ولفت انتباهه. وهي على الأرجح حاجة جوفاء تجلب الكثير من طرق الادعاء والزيف، فيما سكينة بتلات الياسمين، بياضها المنعش العاري، ثباتها الواهي واستسلامها الوديع، تميل إلى التعانق والاستخباء مكتفية بكونها على ما هي عليه.
إحدى الطالبات داعبت قطاً سميناً، انحنت فوق ظلها وبدا صغر حجم صدرها. كيف يمكن العقل البشري الاستفادة من منظر محتال كهذا! لماذا يترافق الحزن مع البطء، أيهما يسبب الآخر ويستدعيه؟ تقول أختي، وقد عكّرت الشقيقة أيامها، إن البطء سمة الهدوء الظاهرة؛ فالهدوء بمعناه الأدق هو الشعور العميق والقوي بأن البطء كالحلم أساس كل عمل دقيق. من الأجمل، لعاطل عن العمل مثلي، الابتهاج بمراقبة حذرة ومتأنية لحال الزهرة؛ فهي تهب طاقة أنبل وأعف لإعانتي على تحمّل إهانات كل يوم. الطالبات اجتزن محيط عيني، ومن الأفضل الآن نسيان أمرهن.
* * *
سطح بيت طينيّ
كل شيء هادئ، صامت، وحيّ، كحركة نسغ في خيط عشب. تخيل الشاب المريض أشياء لم يرها من قبل، فآثر، بعد عناء، وصفها بالعذوبة والانسياب. لم يشأ الرضوخ إلى ما آلت حاله من سوء وضعف. قال، مطلاً بنظره على سطح بيت طيني: ما لا يُرى لا جدوى منه.
التمعت أعواد التبن القصيرة، إذ تركت الشمس ضياءها ينسرب خلال تشققات الطين الرخو. يا لها من صورة تكثف جهد السماء على وجه البيت! يا لجمال السطح يمتص الفضاء! سطح، ذو غضون كثيرة، أغراه بإطالة النظر. جففت حرارة النهار رطوبة رذاذ الليل، وظللت حمامة خيط عشب، نقرت منبته الضئيل، ثم اختفت. أغمض المريض عينيه على تلك الصورة: أنا مغزوّ بعينيّ. عيناي أتلفتا عقلي! أنا مغرم بسطح البيت الطينيّ، بالحمامة اختفت للتو، بخيط العشب نقرته الحمامة. ما أنا سوى كائن سطحيّ، لا عمر لي ولا صفة. كيف لي الوثوق بكل ما أراه؟ وماذا إذا كنت سطح البيت نفسه؟ وماذا إذا لم أكن سوى حرارة الشمس؟ وماذا إذا تبخرت كرذاذ الليلة الماضية؟!
صادق الود