المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفاحــــة المــــؤنثـــــــ


عاشق وطن
02-08-2008, 11:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

بيت بمنازل كثيرة

تفاحة المؤنث: بين الرواية والسيرة

ليس هذا إسناد القناعة والرضا بحديث الأسطورة المغرضة عن تفاحة الإثم التي أغضبت السماء فأطلقت حكمها بالعقاب. ولا هي في المقابل، مجرّد إحالة ساذجة على تاريخ النظام الفوارقي. ما ذلك إلا سعي مهجوس بتفكيك مجازٍ جميل وهدّام، سحر الألباب لزمنٍ طويل وذهب بعقل المؤنث والمذكر في آنٍ واحد، ذهابَه بهما إلى منفاهما الأرضي، يعبران براريه في العذاب معاً، انّما على تفاوتٍ ينفر عن ناموسٍ جنوسيٍّ صارمٍ وجازمٍ يفصل بين مؤنثٍ مدانٍ بذنب الغواية، باعتباره الفاعل لها والمبادرِ إليها، ومذكّرٍ معاقب بجريرة الانفعال بها والوقوع في شركها، مما رتّب في عرف السماءِ عقاباً جُعِل مضاعفاً للفاعل دون المنفعل. انقلبت على الأرض أدوارهما، فكُتبت الطاعة على الأنثى، وأُطلقت السيطرة للذكر.
تأسيساً عليه، رسّخت الأسطورة لعنة الجسد الأنثوي، يدوم في حيرةٍ من أمره، فاجتناب الحرامِ يجنح به إلى إنكار نفسه ويهبها للألم المحضِ، تكفيراً عن الخطيئة الأولى، ووسواس اللذة الطيّبة يزيّن له الولوغ في التجربة ويُعيده خوضُها إلى دائرةِ الذنبِ من جديد. وفي الحالين، لا يملك المؤنث جسده، ولا يشفى من الحيرة.
حيرةُ المؤنث قلقُه الدائم والمقيم، يفعل أو لا يفعل، وتبدو أفعالُه في معظمها، محكومةً بالتجاذب، فذاكرة الذنب المتأصلة في عقله الباطنِ تخرّب عليه لذّتَه، وتحول دونه والإيمان بأن لا عيش له خارج الجسد، وبأن الجسد أصلٌ وجوهرٌ وهوية، وهو إلى ذلك لغةٌ لا "تغرّد" ولا تشرق بما ينيب إليها من تعبيراته ما لم تشاكس لغة القواعد وتخربط نظامها، النظامَ عينه الذي عاقب المؤنث بالدونية والتهميش، واختزله إلى فرعٍ تابع وضعيف يفيض وجوده عن وجود المذكر، بما هو أصلٌ له، يمثل في لغة السيد جسداً مملوكاً للسيد أو موضوعاً للإمتاع والشهوة، لكأنّ الشهوةَ ذنبٌ حرامٌ عليه وحقٌّ مباح للآخر.
من باب الحيرة هذه، يدلف الجسد الأنثوي إلى مؤنث الكتابة – الرواية - السيرة جسداً استعارياً، يلتحف بثوب العفّة مرةً، وبرداء الفجور مرة، وفي المرّتين لا يبدو جسداً حقيقياً، بل أقرب إلى تمثيلٍ كنائي لطهرانية مقنّعة، أو لرغبة حقيقية تحتجب خلف المجاز خوفاً من حقيقتها، لتصير مجازاً عاجزاً يلوذ بمجازٍ منقطع الصلة عن أصله، يقصّر عن بلوغ المراد منه بما يخذل الشهوة ويبقيها وسواساً حراماً، وكلّ حرامٍ يوقع في الحرمان، ويؤجج الرغبة الكامنة في اللاوعي. تحرّض المؤنث على المروق والعصيان اللذين يؤولان دوماً إلى توبة مستحيلة لا سبيلَ إليها إلا بإماتة الجسد أو بما يعدل موتَه. وهذا يفضي بدوره إلى ما يشبه موت الكتابة، لا يكفّ عنها الجسد الغائب – الذاهل - التائب أو الذاهب إلى موته. حتى حين يُفقده الصمتُ حقيقته ومجازه معاً أو يستمرّ معفّراً بالذنب، راضياً مستكيناً، منفياً على هامش اللغة، ينكتب بغير لغته، وبخلاف حقيقته، كأنه مجرّد شيء بلا ماهية ولا حقيقة، على ما شاءت له الأسطورة.
في واقع الكتابة أو الانكتاب، لا يتوب الجسد المقهور عن تيهه وحيرته. يقف على أعتاب الرواية، يرتجل فيها سيرةَ أناه الحقيقية، على أنها أنا متخيَّلة، أو يحوم على ضفاف السيرة الذاتية، يدانيها كما لو أنها ارتحالٌ روائي في المتخيّل. في هذا المعنى، يحاصر مجاز التفاحة المؤنث مرة جديدة، إنما على وجه آخر.
ولئن كان لتفاحة الغواية الهدّامة أن تلغَّز بشهوة الجسد، فقد يصحّ في وجهٍ من الوجوه أن تُشحن بمغزىً يحيل على شهوة المعرفة التي أغوت الإنسان بالتجربة وأوقعته في العصيان، فطُرد من الفردوسِ عارياً فقيراً إلا من الكلمة. هي آخر ما تبقّى لديه من أنعام السماء. بها انكشف له الوجود وأبان عن نفسه بما هو معرفة. لا على أنها معرفة ذهنية بالأشياء، بل خوض الأشياء نفسها، أي اختبار عيشها. فالمعرفة الحقيقية لا تتحصّل خارج التجربة. وفي مطلق الأحوال ليس لها أن تتحقّق إلا من طريق الجسد باعتباره هو الآخر حقيقةً وليس موضوعاً للحقيقة، يدركها المؤنث بالوعي المعرفي ويزحزح ترّهات المجاز ويتفّهها، فلا يستجرّ بعدذاك إلى حبائل السحر الذي يذهب بعقله فيصدّق حديث الأسطورة ويلعن إثمه ويظلّ على جهل وفي غيّ مطبق ويرى إلى جسده كأنه خارج عنه أو هو خارجه. يكتب عنه بلغة القواعد التي تقونن اللغة وتقنّنها، وتقيّد شرط المعرفة، لا بمنطق يفضي إلى إطلاقهما بحيث يمكن المعرفة أن تبدع تعبيراتها، واللغة المنصتة أن تشرق بها، والجسد الصامت أن يشفى من البكم وينطق بحقيقته، بل بمنطق مجازي يستعير حقيقةً ليست هي الحقيقة، ويُعدم الجسد المؤسطَر علاقتَه بالواقع وينأى به في الآن عينه عن أي خيالٍ قد يناظر الواقع. تنقطع كل قرابة بينهما فيتأرجح الجسد المغيّب على أنشوطة الفراغ. يكتب أو ينكتب في سرديات وجلة حائرة تلتبس فيها الرؤية إلى الجسد والعلاقة بالجسد، لتظلّ سردياتٍ ذاهلة حيرى، تائهة عن حقيقته، لا تقرئنا متونها كيف يتعلّم المؤنث جسده، ولا كيف يقرأه أو يعرفه. ولتظلّ الكتابة، على ما يثبته واقع حالها، ما خلا استثناءات قليلة، مجرّد مهنة أو لعبة أو نشاط لا يحيط بكلّية الجسد، ما يغرّب الجسد عن لغته، ويبعده عن الواقع والحلم، ويحول دون انكفاء سطوة المجاز المكّار، بحيث يستحيل على المؤنث بعدها أن يعانق شهواته كلها، على أنها حلٌّ عليه بما هي معرفة.
هل في ذلك جديد يضيء أو يضيف؟ ولا سيّما أن طائفةً من الأطروحات النقدية حاورت من قبل إشكالية مؤنث الإبداع، وقاربت موضوعاته، أسئلته، سردياته، تعبيراته، مكوّناته وممكناته، في الصورة والمحتوى، وفي اللغة والقول والخطاب، وجميعها أسئلة تدوم مشكَلة وعالقة، مذ أتت المرأة إلى الكتابة، وباشرتها بتحريضٍ من الذات الممسوسة بقلق التجربة والانكشاف، التوّاقة إلى إثبات القدرة وتحقيق الهوية. مذّاك والمرأة تلحق في الكتابة بوسواسها، تتوسّل بها لا مطرحاً للبوح والاحتجاج فقط بل فضاءً مفتوحاً يوازي العالم الذي يشرع لها مغاليقَه لتنسج من السرد عوالم افتراضيةً بديلة يتعالق فيها الحلم والواقع، بما يردم فجوة ما بينهما ويُنجيها من شرك وجودٍ موصدٍ ملغّز ومستعار.
على تحقيق ذلك، لم يُتَح للمرأة الكاتبة شرطٌ فني أمثل من شرط الرواية بوصفها مجالاً رحبا، يفسح لتعبيرات تقصّر عنها أجناسٌ أدبية أخرى لا نستثني منها السيرةَ الذاتية أو حتى الروائية اللتين تنتصران للواقع الحقيقي أكثر مما تناصران الخيال، من غير أن يعني ذلك انزلاقاً إلى منطق المفاضلة، أو انحيازاً منّا لمصلحة هذه على حساب تلك.
فثمة معوقاتٌ مختلفة ردعت الوظيفة التخييلية في نصوص روائية كثيرة، مما أوقعها في فخّ المباشرة وأفقد كذبها الجميل قدرتَه على الإقناع والإمتاع، وجرّد عوالمها من أبرز تمثيلاتها. في المقابل، قصّر السرد الواقعي (؟) في معظم السير الذاتية عن أداء مهمته في الإحاطة بمعطيات تجاربَ حياتيةٍ واقعية محددة، احتجبت عنها الذاتُ الكاتبة، لم تتعرَّ أو تفصح عن تناقضاتها وصراعاتها، أو تكشف مضموراتها وتعالن بحميمياتها. ولم تشكّل، عطفاً عليه، أرشيفاً أو وثيقة جديرة بالكتابة والقراءة، الأمر الذي فشّل سعي هذه النصوص الروائية والسيرية مجتمعةً، وأعجز سردياتِها عن تلبية الوظيفة التأهيلية، أو ما يسميه أومبرتو ايكّو الوظيفة الاستشفائية التي يتوافر عليها، في العادة، المحفل المنتج للنص السردي المبدع، أياً يكن نوع النصّ. ناهيك بمعوقٍ آخر، أخلّ بالمقدار نفسه بالشرط اللغوي في السيرة والرواية في مؤنث الكتابة، ولا سيّما أن اللغة غالباً ما أُخرجت فيهما عن وظيفتها، بما هي مسألة مركزية تنوب تعبيراتها عن هوية الشخصية المعبّرة من خلالها، على مستوى الاختلاف والخصوصية. بحيث لم يعد في مستطاع اللغة أن تشكّل النص من شخصية صاحبة السيرة نفسها أو كاتبة الرواية ذاتها، طالما اقتصر دورها على إيصال ما تسرده هذه أو تكتبه تلك بمعزل عن شرط الهوية. وهو ما لا يسعه في نظرنا أن يشكّل أو ينتج لا نصاً ولا لغة. هذا من دون أن نغفل عن تمشكلٍ يدوم قائماً ويعزّز الريبة بما يُزعَم أنه الحدّ الذي يفرّق رواية المؤنث عن سيرته الذاتية أو الروائية، اللتين تختلط أو تتخالط حدودهما في نصوص كثيرة، حيث تُقرئنا معظم الروايات ما نعدّه وصفاً حرفياً أو ترجمةً كلامية لواقع الكاتبة، الذي تغيب عنه الأنا المتخيّلة، فيما تطغى هذه الأنا، وبما يشبه المفارقة، على الأعمّ الغالب من سرديات السير الذاتية، التي تتلطى بالتخييل المفتعل لتموّه وجه الواقع الحقيقي، بصرف النظر طبعاً عن تواطؤ ضمني تتحمّل مسؤوليته مباشرة بعض دور النشر التي تسوّق لإصدارات سيرية تنسبها إلى الرواية بوصفها الفن الأكثر رواجاً وقابلية على استقطاب القرّاء.
ليس للأسئلة العالقة أن تحاور الرواية، بما هي جنس أدبي، بمقدار ما يراد لها مطارحة قضايا الخصوصية والاختلاف التي تتوافر لسرديات المؤنث في مؤنث الرواية، لا على خلفية الانغلاق والتناقض بل على قاعدة تمايز التجربة. كذلك مساءلة التقنيات التي تمكّن هذه السرديات من ترسيخ الاعتقاد بواقعية عوالمها، التي نحسبها لفرط واقعيتها عوالم حقيقية ننفعل بأشيائها وموجوداتها ووقائعها ومناخاتها. نحسُّ بها لا إحساس الفرجة والمجاورة فحسب، وإنما إحساس المعنيّ، المستغرق في خوض تفاصيلها واختبار عيشها، كما لو كانت واقعاً حياتياً فعلياً يخصّنا، نصدّق قوانينَه التي تصيّرها الروايات بدائل فعلية تزيح قوانين الواقع القهري، التي من خلالها يتاح لمؤنث الكتابة أن يمكر بإكراهات السلطة لينطق اللاّمقول ويطلق المكبوت، ويطعن بأحكام القول الثقافي، الاجتماعي، اللغوي السائد والمهيمن، ويخلخل مبانيه بما يعيد وصل ما انقطع بين الممكن واللاممكن، ويؤهل الواقع ليتوافق مع نظائر تبدعها المخيّلة المغلولة التي تفكّ قيدَها، وتفكّك تلفيقات مجازٍ مستبد ألبس المؤنث لزمن طويل وجهاً مستعاراً.
ولئن كانت الكتابة الروائية سبيل المؤنث لاستجلاء حقيقته واسترداد وجهه والمعالنة بوجودٍ إبداعي، يستمر في الواقع على شاكلة الواقع مهمّشاً ومقصِّراً، فإنّ جلَّ ما راكمه مؤنث الكتابة يبقى سرديات تلهج في معظمها بالصراخ والاحتجاج والتظلّم والشكوى، أو تلوّح بعصيان يعالجه الموت أو ينتهي بالجنون أو الانتحار أو التوبة، اللهم إلا في استثناءات روائية معدودة، ليس لها أن تشكّل قاعدة تؤسس لواقع مغاير يقهر السائد ويسخر من سرديات قاصرة ومقصّرة لا تنفكّ تصف الأنوثة مثلما توصف الأقنعة التي تديم الحقيقة محجوبةً ومتوارية فلا ينكشف منها سوى وجهِها الاستعاري الذي ينقطع تماماً عن أي إيماءة أو دلالة تمسّ بشغافها، التي وحدها جديرة بأن تُقالَ ويسرد عنها في ما يُفترض أنه إبداع كاشف يضيف ويبني بقدر ما ينقص ويهدم. فالحقيقة على ما يبدو لا تزال مفهوماً ذكورياً منيعاً لا يتزحزح ولا يتغيّر، ولا يقبل التأويل أو التفكيك، حتى حين تحرجه الأسئلة أو تخدشه معاول المؤنث، التي يلزمها المزيد من حفريات أشدّ مضاءً وأكثر عمقاً وأوفر جرأة، حفرياتٍ شجاعة تنتهك حرمة المجازات الملفّقة لتستنقذ حقيقة الأنوثة المطمورة تحت السطح. تبزغ من جديد بتمام حضورها صوتاً وجسداً ولغة وإبداعا بالطبع.

بـــــ قـــلــــمــــ / يسرى مقدم