راند
02-11-2008, 08:35 AM
بيت بمنازل كثيرة
أن، فجأةً، تفيق والفجر، وتغسل عينيك بالندى، وتترصّد زقزقة عصفور يتنقّل في زيتونة، فوق التلة الخضراء، قرب نافذتك،
أن، فجأةً، يرتعش منقار العصفور ويطلقها زقزقة تسلخك عن تصايح الساسة وهم يمزّقون الوطن، مُرْداً ومُلتحين، وتعود بك طفلاً يلهو تحت فيء صفصافة في زحلة، على ضفة البردوني، تتصايح فيها العصافير،
أن تحملك زقزقة العصفور الى تلك السحابة في الجو،
أن ينبت لك، فوق السحابة، أجنحة،
أن تطير بك الاجنحة نحو القمر،
أن تطل بوجهك من شرفة القمر على الارض، زمرّدة يوشّحها الغيم نفرتْ لتوّها من يد الله،
أن تقلّب الزمردة بعينيك بحثاً عن رأس دبّوس جبلي غرزه الله بين الصحارى والبحر، فترى سفوحه يتهافت عليها الموج، وترى قممه العاليات يتّكئ عليها الثلج نافخاً في مزمار قصب من مزامير رعيان المعزى،
أن ترفع يديك عن درابزين الشرفة وتنطرح على مقعد بحري، وتغمض عينيك،
أن تصير راهباً بوذياً من أعالي التيبت تنداح منك "اورا"، هالة صفراء تلتفّ على القمر، وتتعالى عنه صُعداً حتى تتسلّق المجرات،
أن، فجأةً، يدوّي انفجار سيارة مفخخة في سماء بيروت فتجفل المجرات، وينفر العصفور عن الزيتونة، وتهرول زحلة بعيداً عنك حتى واديها في لحف صنين،
أن تسرع الى التلفزيون تترقّب أن يأتيك بالخبر العاجل،
أن ينقضّ عليك من الشاشة النار والدخان، وأقدام الشرطة والمسعفين تغوص في خليط همجي من الدم والمحروقات وأشلاء البشر والسيارات،
أن يتصدّع الكون من حولك، وينفتح تحت قدميك شدق الهاوية،
أن ترى الشعراء والعلماء والفلاسفة، والقديسين، والهياكل والمسارح، والمكتبات والمختبرات، والنسّاك العتاق وملائكة السماء، يأتون من المشارق والمغارب خفافاً يتهافتون على الهاوية فتلوكهم بأنيابهم، لمحة عين، وتبلعهم،
أن ترفع عينيك نحو السماء فترى الله يزورّ عن خليقته ويتوارى في السحب،
أن تشمّر لتلحق به فتنقطع الكهرباء، فجأةً، وتسمع قرعاً على الباب عنيفاً فتركض وتفتحه فترى ابنك عائداً من الخليج،
أن تسأله صارخاً: "ما جئت تفعل؟ ما سمعت الانفجار؟ ما رأيت الدخان؟ فوراً تعود الى المطار وتهرب من جهنم!"
أن لا تترك المطار الاّ بعد إقلاع الطائرة،
أن ترجع الى بيتك، وتتناول حبّتين من المنوّمات، وتنطرح على فراشك،
أن، فجأةً، تزعق الزيتونة على التلة الخضراء وهي تلوّح بأغصانها مذعورة،
أن تلتفت وترى بعينيك جنكيز خان، وفوق خوذته قرنا وَعْل، ساقطاً عليها في سحابة من نار، يترجّل عن حصانه، يخلع خوذته ويطبق بها على العصفور،
أن يمسك جنكيز خان العصفور ويحزّ عنقه بظلفه ويرفعه كأس ذبيحة، ويلتفت اليك صائحاً: "كأسك!"،
أن ينسكب دم العصفور في زلعوم وحش المغول حتى آخر قطرة،
أن يرمي الوحش العصفور أرضاً ويمرّغه بقدمه في التراب،
أن تسمع عظام الطير الصغيرة تتكسّر تحت النعل الهمجي،
أن، فجأةً، تشرق الشمس من خلف التلة الخضراء فيعوي جنكيز خان وينطفئ،
أن يتنفّض العصفور كاشحاً الغبار عن جناحيه وينفر صاعداً الى الزيتونة،
أن تطيب نفسك بعودة العصفور، ولو الى حين،
أن تترصد زقزقته وهو يتنقّل في الزيتونة، فوق التلة الخضراء، قرب نافذتك،
أن يهتزّ طرباً منقار العصفور، ويطلقها زقزقة على الهاوية فتعوي وتنطفئ،
أن يعود الشعراء والعلماء والفنانون، ورفاقهم والعمارات، مواكب مواكب، من حيث أتوا،
أن يرجع الله من خلف الغيوم البعيدة، ويجلس على العرش، قريباً من خليقته،
أن تُدرك أن الموج لا يزال يتهافت على شواطئ لبنان، على رغم الاكاديين والفرس والفراعنة والاسكندر والسلوقيين والرومان والبيزنطيين والصليبيين والمماليك والعثمانيين والفرنسيين والأقربين والأبعدين،
أن تذكر أن الثلج عاد، السنة، يتّكئ على جباله العاليات، نافخاً في مزمار قصب من مزامير رعيان المعزى،
أن تُدرك أن لا بد من عودة الخنزير البرّي الى غابات جبيل فيصرع أدون، ولو الى حين، ومن عودة ستّ الى وادي النيل فيمزّق أخاه اوزيرس، ولو الى حين، ومن عودة تيامات الى بابل فيقتل مردوخ، ربّ النسق، ولو الى حين،
أن تبقى إنساناً،
أن تترصد العصفور أبداً حتى يرجع الى الزيتونة،
أن، فجأة.
منقول
أن، فجأةً، تفيق والفجر، وتغسل عينيك بالندى، وتترصّد زقزقة عصفور يتنقّل في زيتونة، فوق التلة الخضراء، قرب نافذتك،
أن، فجأةً، يرتعش منقار العصفور ويطلقها زقزقة تسلخك عن تصايح الساسة وهم يمزّقون الوطن، مُرْداً ومُلتحين، وتعود بك طفلاً يلهو تحت فيء صفصافة في زحلة، على ضفة البردوني، تتصايح فيها العصافير،
أن تحملك زقزقة العصفور الى تلك السحابة في الجو،
أن ينبت لك، فوق السحابة، أجنحة،
أن تطير بك الاجنحة نحو القمر،
أن تطل بوجهك من شرفة القمر على الارض، زمرّدة يوشّحها الغيم نفرتْ لتوّها من يد الله،
أن تقلّب الزمردة بعينيك بحثاً عن رأس دبّوس جبلي غرزه الله بين الصحارى والبحر، فترى سفوحه يتهافت عليها الموج، وترى قممه العاليات يتّكئ عليها الثلج نافخاً في مزمار قصب من مزامير رعيان المعزى،
أن ترفع يديك عن درابزين الشرفة وتنطرح على مقعد بحري، وتغمض عينيك،
أن تصير راهباً بوذياً من أعالي التيبت تنداح منك "اورا"، هالة صفراء تلتفّ على القمر، وتتعالى عنه صُعداً حتى تتسلّق المجرات،
أن، فجأةً، يدوّي انفجار سيارة مفخخة في سماء بيروت فتجفل المجرات، وينفر العصفور عن الزيتونة، وتهرول زحلة بعيداً عنك حتى واديها في لحف صنين،
أن تسرع الى التلفزيون تترقّب أن يأتيك بالخبر العاجل،
أن ينقضّ عليك من الشاشة النار والدخان، وأقدام الشرطة والمسعفين تغوص في خليط همجي من الدم والمحروقات وأشلاء البشر والسيارات،
أن يتصدّع الكون من حولك، وينفتح تحت قدميك شدق الهاوية،
أن ترى الشعراء والعلماء والفلاسفة، والقديسين، والهياكل والمسارح، والمكتبات والمختبرات، والنسّاك العتاق وملائكة السماء، يأتون من المشارق والمغارب خفافاً يتهافتون على الهاوية فتلوكهم بأنيابهم، لمحة عين، وتبلعهم،
أن ترفع عينيك نحو السماء فترى الله يزورّ عن خليقته ويتوارى في السحب،
أن تشمّر لتلحق به فتنقطع الكهرباء، فجأةً، وتسمع قرعاً على الباب عنيفاً فتركض وتفتحه فترى ابنك عائداً من الخليج،
أن تسأله صارخاً: "ما جئت تفعل؟ ما سمعت الانفجار؟ ما رأيت الدخان؟ فوراً تعود الى المطار وتهرب من جهنم!"
أن لا تترك المطار الاّ بعد إقلاع الطائرة،
أن ترجع الى بيتك، وتتناول حبّتين من المنوّمات، وتنطرح على فراشك،
أن، فجأةً، تزعق الزيتونة على التلة الخضراء وهي تلوّح بأغصانها مذعورة،
أن تلتفت وترى بعينيك جنكيز خان، وفوق خوذته قرنا وَعْل، ساقطاً عليها في سحابة من نار، يترجّل عن حصانه، يخلع خوذته ويطبق بها على العصفور،
أن يمسك جنكيز خان العصفور ويحزّ عنقه بظلفه ويرفعه كأس ذبيحة، ويلتفت اليك صائحاً: "كأسك!"،
أن ينسكب دم العصفور في زلعوم وحش المغول حتى آخر قطرة،
أن يرمي الوحش العصفور أرضاً ويمرّغه بقدمه في التراب،
أن تسمع عظام الطير الصغيرة تتكسّر تحت النعل الهمجي،
أن، فجأةً، تشرق الشمس من خلف التلة الخضراء فيعوي جنكيز خان وينطفئ،
أن يتنفّض العصفور كاشحاً الغبار عن جناحيه وينفر صاعداً الى الزيتونة،
أن تطيب نفسك بعودة العصفور، ولو الى حين،
أن تترصد زقزقته وهو يتنقّل في الزيتونة، فوق التلة الخضراء، قرب نافذتك،
أن يهتزّ طرباً منقار العصفور، ويطلقها زقزقة على الهاوية فتعوي وتنطفئ،
أن يعود الشعراء والعلماء والفنانون، ورفاقهم والعمارات، مواكب مواكب، من حيث أتوا،
أن يرجع الله من خلف الغيوم البعيدة، ويجلس على العرش، قريباً من خليقته،
أن تُدرك أن الموج لا يزال يتهافت على شواطئ لبنان، على رغم الاكاديين والفرس والفراعنة والاسكندر والسلوقيين والرومان والبيزنطيين والصليبيين والمماليك والعثمانيين والفرنسيين والأقربين والأبعدين،
أن تذكر أن الثلج عاد، السنة، يتّكئ على جباله العاليات، نافخاً في مزمار قصب من مزامير رعيان المعزى،
أن تُدرك أن لا بد من عودة الخنزير البرّي الى غابات جبيل فيصرع أدون، ولو الى حين، ومن عودة ستّ الى وادي النيل فيمزّق أخاه اوزيرس، ولو الى حين، ومن عودة تيامات الى بابل فيقتل مردوخ، ربّ النسق، ولو الى حين،
أن تبقى إنساناً،
أن تترصد العصفور أبداً حتى يرجع الى الزيتونة،
أن، فجأة.
منقول